Tuesday, May 06, 2008


الرؤية الحلولية للعالم والعلمانية
مختصر لدراسة للدكتور عبد الوهاب المسيري

جاء في المعاجم أن: حل المكان (وبه) بمعنى نزل به، ويقال " حللت القوم أو حللت بهم أو عليهم"، و"حل البيت"، بمعنى "سكنه فهو حال". والحلول، في أكثر درجاته تطرفاً وفي منتهاه هو "اتحاد الجسمين اتحاداً تاماً ينوب به كل منهما في الآخر بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر".
ومذهب الحلول أو الحلولية هو القول بأن الإله موجود في كل الكون (الإنسان والطبيعة) أو أنه حال فيه، حتى يصبح الإله والعالم والإنسان وكل الوجود وحدة واحدة، لا وجود مستقل للواحد عن الآخر، وبالتالي يصبح العالم وكل الوجود هو الإله، أي أن الإله يصبح متوحداً مترادفاً مع سائر مخلوقاته ( الإنسان والطبيعة).
ويلاحظ أن الحلولية حينما تصل إلى مرحلة وحدة الوجود الكاملة (والتي يمكن تسميتها أيضا بـ "الواحدية الكونية")،تكون دائرية في بنيتها، فهي سلسلة واحدة متصلة،نظام عضوي مغلق تماماً، لا فراغات فيه ولا ثغرات، يسري عليه قانون واحد، ولذا فهو نظام يتسم بالواحدة، يتجاوز أي تعددية أو ثنائية، لا يعرف تمييزاً بين ما هو أعلى وما هو أدنى، وما هو هامشي وما هو مركزي، ولكنه قد يفرق، وبشكل حاد كامل، بين ما هو داخل دائرة الحلول المقدسة ما يقع خارجها.
تأخذ علاقة الإله بالإنسان شكل أنساق وصيغ مختلفة، أما النسق الأول فهو انفصال الخالق عن مخلوقاته تماماً، فيصبح الإله كياناً متجاوزاً للعالم، لا علاقة له به، وجوده هو أقرب إلى الغياب. وبالتالي، فالهوة هنا بين الإنسان والإله مطلقة، ولكنها هوة لا يشعر بها الإنسان إذ أنه يرى أن الطبيعة ما هي إلا مادة وأنها علة ذاتها توجد في ذاتها وتدرك بذاتها، ولا يحتاج في تكوين تصور لها إلى تصور آخر، فوجود المادة / الطبيعة ضروري، لا نهائي، أزلي، شمولي (وهذه كلها أوصاف اسبينوزا للطبيعة/ الإله).
وهذا النسق واحدي، لا يوجد فيه سوى قطب واحد، وهو هذا العالم. ويمكن أن نصوغه على النحو التالي:
الطبيعة
الإله غير موجد وإن وجد فلا علاقة له بالعالم. ولكن يلاحظ أن الإنسان أيضاً غير موجود لأنه مستوعب تماماً في الطبيعة، جزء لا يتجزأ منها، فالإنسان في مثل هذا النسق هو "حيوان متطور" وجزء من السياق المادي الطبيعي للتطورات الحادثة للمادة والأحياء.
وسنلاحظ في النسق الحلولي، أن الثغرة بين الإنسان والإله تبدأ تتناقص إلى أن تتلاشى تماماً حتى تصل إلى مرحلة وحدة الوجود. وتبدأ المرحلة الأولى في عملية التناقص والحلول هذه بحلول الإله في العالم (الإنسان والطبيعة) دون أن يمتزج به تماماً ولنا أن نصوغ هذه المرحلة على النحو التالي:
الإلـــه
الإنســان
الطبيعــة
ويلاحظ أنه، مع تناقض الثغرة، يقترب الإنسان من الإله دون أن يلتحم به تماماً.
أما في المرحلة الثانية من النسق الحلولي، فإن روح الإله تسري في العالم (الطبيعة والإنسان)، فيتوازى هو مع مخلوقاته، ويتوازى الإنسان مع الطبيعة، ويمكن أن نصوغ هذه المرحلة الثانية على النحو التالي:
الإنســـان
الإلـــه
الطبيعـــة
ولنلاحظ أنه رغم التساوي بين الإنسان والإله والطبيعة، يظل الإله منفصلاً عن الإنسان والطبيعة، يتمتع بشكل من أشكال المركزية ويظل هو النقطة المرجعية.
ويسلمنا هذا إلى المرحلة الرابعة والأخيرة من النسق الحلولي، مرحلة وحدة الوجود، وهي المرحلة التي يتم فيها الحلول الإلهي بحيث يصبح الإنسان هو ذاته الإله والإله هو الإنسان، ويصبح الخالق هو مخلوقاته، ويلتحم الإنسان بالطبيعة بشكل عضوي بحيث لا يمكن التفرق بين الإله والطبيعة/ المادة والإنسان.
ويمكن أن نصوغ هذه المرحلة على النحو التالي:
الإلــــه
فكما أن الطبيعة هي الكل وما عداها أجزاء وتحليات لا وجود حقيقياً لها، فإن الإله في هذا النسق هو الكل وما عداه فأجزاء وتحليات لا وجود حقيقي لها. وثمه نقطة مرجعية واحدة، في كلا البنيتين، هي المادة الطبيعية الصرفة في النسق الأول، وهي المادة الإلهية أو المقدسة الصرفة في النسق الثاني.
ويمكن القول أن هناك صورتان أساسيتان لوحدة الوجود:
الأولى: وحدة الوجود المثالية، وهو نسق مغلق يذهب إلى أن الإله (المطلق – الموجود المطلق – العقل المطلق – الفكرة المطلقة) هو الموجود الحق، وليس هناك إلا موجود واحد، وأن عالم المادة (الطبيعة والإنسان) ليس له وجود حقيقي دائم ولا جوهر متميز، فهو مظهر من مظاهر الذات الإلهية المطلقة وليس له وجود في ذاته لأنه صادر عن الإله بالتجلي. وكل التطورات والتحولات، في عالم الطبيعة والتاريخ، إن هي إلا تجليات جزئية للفكرة المطلقة (ولعل كتابات هيجل هي أصدق تعبير عن هذا).
والثانية: وحدة الوجود الطبيعية أو المادية وهو نسق مغلق أيضاً يذهب إلى القول بأن العالم (المادة/ الطبيعة)، لا الإله، هو الموجود الحق وأن الإله (المطلق) ليس سوى مجموع الأشياء الموجودة في هذا العالم. والمثال من هذه الصورة مذهب وحدة الوجود عند هولباخ وديدرو وماركس. هو نسق أيضا ينتهي بانتصار الواحدية، حيث ترد كافة الأشياء معرفياً وأخلاقياً إلى حالة الطبيعة والمادة وحيث تتحقق قوانين المادة تحققاً كاملاً على جميع المستويات الإنسانية وغير الإنسانية.
وتندرج الفلسفات الحلولية التقليدية تحت النمط الأول، أي وحدة الوجود المثالية. أما الفلسفات الثورية المادية والعلمانية، فإنها تندرج عادةً تحت النمط الثاني. والنمطان كما سنبين فيما بعد، متشابهان إلى حد كبير من الناحية المعرفية والأخلاقية.
تدور الرؤية الحلولية في العادة حول ثالوث حلولي يتكون من الإله والإنسان والطبيعة، وتنقسم الطبيعة إلى الزمان والمكان، أو الوطن والتاريخ. ولكن هذا الثالوث هو ثالوث زائف، لأنه في نهاية الأمر، وفي التحليل الأخير، هو نفس الشيء، فالإله يحل في الإنسان والطبيعة فنجد الإنسان/ الإله، والطبيعة/ الإله، ولكنهما يعكسان نفس الشيء فنصل إلى درجة الواحدية الكونية الكاملة حيث لا يمكن الحديث عن إنسان أو إله أو طبيعة وإنما عن الإنسان / الإله / الطبيعة حيث يشكل هذا الكل الحلولي العضوي المصمت الذي لا تتخلله أي ثغرات أو مسام، والذي تشبه نهايته بدايته، وقمته قاعدته، وأسبابه نتائجه، كما يشبه هامشه مركزه، وظاهره باطنه.
كما أن الحلولية تتبدى في شكل نسق معرفي ونسق أخلاقي.
أما النسق المعرفي، فهو يذهب إلى أن كل ما في العالم مادة واحدة (مقدسة) وأنه يمكن فهمها والتحكم فيها من خلال الحواس والمقدرات الخارقة الحسية والعقلية. وثمة قانون واحد في العالم، يسري على كل من الإنسان والطبيعة، يمكن فهمه ومعرفته والتوصل إليه، إذ أن النظام الحلولي نظام لا ثغرات فيه يتلازم فيه السبب والنتيجة والعلة والمعلول تلازم الخالق والمخلوق والطابع والمطبوع، فلا توجد ثغرة بين الواحد والآخر، هذا القانون أن توصل إليه الإنسان / الإله (وهو بوسعه ذلك إذ يحل الإله في الطبيعة / الإله أيضاً)، نقول إن توصل إليه الإنسان لأمكنه التحكم الكامل في الكون.
ولنلاحظ هنا ضرباً من الاستقطاب الغريب: إذ أن إمكانية التحكم الكامل، النابعة من أن العالم لا ثغرات فيه، وأن هناك قانوناً واحداً يسري على الإنسان والطبيعة، تعني الحرية الكاملة للبشر ومقدرتهم على معرفة الكون معرفة كاملة. لكن هذا ذاته يعني الغياب الكامل للحرية وظهور الحتمية المطلقة، إذ أن المعرفة الكاملة وأحادية القانون أنه يمكن التنبؤ بسلوك الإنسان تنبؤنا بسلوك الكائنات الطبيعة وحركة الأفلاك والأشياء (فهو سلوك يتبع قانوناً صارماً يسري على الكون بأسره، أي يسري على الإنسان سريانه على الطبيعة). كما أنه يمكن التحكم في مثل هؤلاء البشر الذين يتبعون هذا القانون، شاءوا ذلك أم أبوا ويتخذ حلم التحكم الكامل ( في الإطار الحلولي) شكل محاولة، التوصل إلى المعرفة الإلهية السرية وإلى قوانين الطبيعة بهدف التحكم فيها المعرفة (وهو الغنوص أو العرفان في المنظومات الغنوصية) وهو ما سميناه "الرؤية المعرفية الامبريالية".
أما المنظومة الأخلاقية الحلولية، فهي لا تختلف كثيراً عن المنظومة المعرفية:
1) الإله حال في الإنسان ولذا ما يقوم به الإنسان مقدس،2) وإن أتى الإنسان بالشر ففعله هذا مقدس خير لأن الإله يحل في الشر حلوله في الخير،3) مما يعني أن مقولات الخير والشر زائفة وأن الإنسان حر تماماً في أن يفعل ما يشاء.
4) الإله لا يحل في الإنسان وحسب وإنما في الطبيعة أيضاً فما يسري على الإنسان يسري على الأشياء الطبيعية. فإن سلك الإنسان سلوكا طبيعيا فهذا أمر مفهوم تماماً،5) الأمر الذي يؤدي بدوره إلى إلغاء مقولات الخير والشر تماماً وتأكيد حرية الإنسان وانفلاته من أي قيود.
6) إن كانت هناك معايير أخلاقية فهي معايير ازدواجية في العادة: معيار للشعب المقدس وآخر للأغيار الذين لا تسري فيهم أي قداسة،7) وتصبح الأخلاق نوعاً من الالتزام القومي،8) كما يصبح عدم التمسك بها ضرباً من ضروب الخيانة القومية.
9) ولكن ثمة جبرية في النسق الأخلاقي الحلولي لن الإله يحل في كل شيء،10) ومن ثم تحدث الأشياء لأنه مكتوب لها ذلك. وهذا الاستقطاب هو تعبير عن الاستقطاب المعرفي الذي أشرنا له من قبل.
11) إذا كان الإنسان إلهاً،12) الغير بالنسبة إليه يساوي الشر فإن فكرة البعث والحساب في اليوم الآخر تتراجع تماماً وتختفي وتصبح لا أهمية لها.
والرؤية الحلولية، خصوصا في شكلها المتطرف، معادية للإله والإنسان. فحينما يحل الإله (المطلق) في الأرض، أو في تاريخ الشعب، أو في الشعب ذاته (النسبي) تتلاشي كافة الثغرات والمسافات ويصبح الإله هو الشعب والأرض، أي أن المطلق يحل في النسبي ويمتزجان ويسري عليهما قانون واحد، ولذا يفقد المطلق (الإله) سموه وجلاله وتعاليه ووجوده بوصفه مثلاً أعلى ومرجعية متجاوزة، ويفقد النسبي (الإنسان) خصوصيته ومحدوديته وهويته، ومقدرته على التجاوز (بسبب اختفاء النقطة المرجعية المتجاوزة)، ويمكن رده إلى عنصر ما أو آخر داخل التاريخ، أو داخل الطبيعة / المادة، أي أننا بذلك ندخل عالماً واحدياً لا تجاوز فيه ولا ثنائيات من أي نوع. كل هذا يعني أنه حينما يفقد الإله مطلقيته، يفقد الإنسان أيضا مطلقيته ومركزيته ويتحول إلى شيء من أشياء طبيعية، جزءاً من كل، مادة أو مقولة مادية نسبية بسيطة يمكن توظيفها في هذا الغرض أو ذاك، ويمكن إخضاعه بكفاءة عالة لعمليات الترشيد التي تتطلب بساطة مثل هذه المادة. ويلاحظ أننا هنا نتحدث في واقع الأمر عن نسق مغلق، فباختفاء الإله عن طريق حلوله في الطبيعة والإنسان، تختفي النقطة المرجعية المتجاوزة خارج النسق، فيصل إلى حالة نهاية التاريخ، وهي حالة تصفية كل تعددية أو ثنائية. ويمكن هنا أن نتناول قضية علاقة الحلولية بالعلمانية والمادية. فالحلولية، في بعض الأذهان، هي شكل من أشكال رفض الدنيا، في حين أن العلمانية المادية، كما هو متصور، هي الإقبال عليها. ومن ثم، يستنتج الكثيرون أن هناك تناقضاً تاماً بين الحلولية من جهة والعلمانية والمادية من جهة أخرى. وحتى يتحدد المصطلح وتتضح المقارنة سنعرف المادية بأنها " الإيمان بوحدة الطبيعة وقانونيتها (لكل علة سبب) وخضوعها كلها لقوانين واحدة صارمة حتمية مطردة يمكن فهمها، والإيمان بأن الحركة من داخل المادة لا من خارجها، ومن ثم تم القضاء على أي غاية إنسانية أو أخلاقية أو هي في واقع الأمر تمثل ما أسميناه بـ"الواحدية الكونية". والواقع أن هذا هو تعريف الدكتور فؤاد زكريا، ونحن نجده مناسبا تماماً، كما نجد أن العلمانية : هي تطبيق هذه الرؤية ( والمناهج المستمدة منها ) على ظاهرة الإنسان، بحيث يصبح الإنسان جزءا من الوحدة الطبيعية لا يتعداها خاضعاً لقوانين الطبيعة/ المادة الواحدة الصارمة الحتمية المطردة، ومن ثم يمكن فهمه والتنبؤ بسلوكه، وهو ما يمكن التعبير عنه أيضاً بعبارة" نزع القداسة عن الدنيا (الإنسان والطبيعة)" بحيث تصبح مادة نسبية لا ترد إلى غيب ويمكن قياسها وتوظيفها واستعمالها. لكن هذه القوانين المادية ليست مرسلة من خالق وإنما هي كامنة في المادة ذاتها، وبالتالي فهي لا تصلح أساساً للثنائية الدينية التقليدية، بل إن الثنائية قد صفيت تماماً إلى درجة تصبح معها هذه القوانين لا غاية لها ولا مضمون أخلاقي. ولذا فإن وجود الإنسان، بعد إدخاله في المنظومة الطبيعية المادية، يصبح لا أهمية خاصة له في الكون ولا مركزية،إذ أن الكون ذاته لا هدف له ولا غاية ولا مركز (وهذا هو عالم ما بعد الحداثة). وبعد هذا التعريف المبدئي، يمكننا رصد نقط التشابه التالية بين الحلولية (وحدة الوجود الروحية أو المثالية) والعلمانية (وحدة الوجود الطبيعية):
1-تتسم العلمانية والحلولية بأنه ليس هناك في أي منهما مطلق مجاوز للمادة (الطبيعة والتاريخ)، فهو في الحلولية إله حال في العالم بأسره أو في عنصر من عناصره، أما في العلمانية فالطبيعة والتاريخ يحتويان داخلهما على ما يلزم لتحريكهما وتفسيرهما ومعرفتهما.
2-المنظومة المعرفية الحلولية رؤية واحدية توحد بين مختلف مستويات الوجود وتختزلهما كلها إلى مستوى واحد وتردها إلى مبدأ واحد ولا تعرف سوى قانون واحد لتفسير كل شيء إذ لا توجد ثغرة للفصل بين الخالق والمخلوق وبين الجسد والروح ومن ثم فهي تصفي كل الثنائيات. كما أن العلمانية هي الأخرى، لا تعرف سوى قانون واحد وسببية أحادية صلبة، فهي تستبعد الغيبيات من نموذجها المعرفي والتفسيري ولا تقبل إلا الحقائق المادية المصمتة، سواء في عالم الإنسان أم الطبيعة وتفض أي ثنائية. وإذا كانت الحلولية لا تعرف سوى زمان واحد وهو الزمان المقدس، فان العلمانية أيضاً لا تعرف سوى زماناً واحداً وهو الزمان الدنيوي ولا تعرف سوى قانون واحد هو القانون الطبيعي الذي يفسر كل شيء، وما يهم هنا هو واحدية القانون وتصفية الثنائيات رغم اختلاف المسميات.
3-إذا كانت المنظومة المعرفية الحلولية تتبدى في شكل سحر وتجيم بهدف التحكم في الواقع والكون، فإن المنظومة المعرفية العلمانية والمادية تتبدى أيضاً في شكل محاولة لمعرفة قانون الحركة بهدف تسخير الطبيعة لا بهدف التوازن معها.
4-والإنسان داخل كل من المنظومة الحلولية والعلمانية جزء عضوي لا يتجزأ من الطبيعة، يرد بأسره إلى قوانين المادة، أي أنه يختزل إلى نفس المبدأ الذي تختزل إليه الطبيعة. ولذا نجده لا يتحدى محاولة التحكم هذه، بل يخضع هو الآخر لها، عن وعي أو عن غير وعي، وإن قاومها فيهو يعرف أنها مقاومة غبية لا جدوى من ورائها (كما يتبدى في الآداب الغربية ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر، ووصل هذا الإحساس إلى ذروته في مسرح العبث وفي أدب كامو).
5-ثمة علاقة وثيقة بين الترشيد وكل من الحلولية والعلمانية إذ أن عملية الترشيد تهدف إلى التحكم في الواقع ومن ثم لا بد من اختزاله وتبسيطه إلى مستوى واحد، وهو الأمر الذي تقوم به كل من المظومة الحلولية والعلمانية. ولذا فنحن نرى أن انتشار الفكر الحلولي (والرؤية الواحدية الكونية) يولد في المجتمع قابلية للترشيد ومن ثم للعلمنة. وهذا عكس رؤية ماكس فيبر للقضية، إذ يرى أن الثورة التوحيدية ضد الحلولية هي التي أدت إلى الترشيد فالعلملنة.
6-إذا كانت المنظومة الأخلاقية الحلولية حتمية جبرية يتساوى فيها الخير بالشر (باعتبار أن الإله يحل في الأفعال الشريرة حلوله في الأفعال الخيرة) فإن المنظومة الأخلاقية العلمانية والمادية تؤمن أيضاً بنفس الحتمية والجبرية. وفي ذات الوقت، فإنها تسقط في نسبية كاملة يتساوى من خلالها الخير بالشر، تماماً كما تسقط الحلولية في الترخيصية الداعرية.
7-وإذا كانت الحلولية الوثنية القديمة تأخذ شكل تقديس الأرض باعتبارها مصدر الحياة، فالوثنية العلمانية تحل محل الأرض ركيزة نهائية أو مطلقاً آخر يوجد في عالم المادة يحوي داخله كل ما يلزم لفهمه (علة ذاته) يوجد في ذاته ويدرك بذاته، ووجوده ضروري لا نهائي أزلي شامل، واجب الوجود، يفهم بنفسه ولا يفهم شيئاً دونه، فهو يشكل الأساس الميتافيزقي لأي نسق فلسفي مادي علماني. وهذا المطلق، قد يكون الدولة ومصلحتها العليا، وقد يكون التاريخ أو الهوية أو الخصوصية القومية أو الإنسان الأعلى أو قانون أرض الأجداد أو حركة التاريخ أو الدافع الاقتصادي أو الدافع الجنسي.
8-والفكر العلماني، مثل الفكر الحلولي، يحوي داخله إشكالية نهاية التاريخ فجدلية التاريخ مستمرة ما دام أن هناك مثلاً أعلى منفصلاً عن المادة، أي مرجعية متجاوزة، يمكن للإنسان تجاوز المادة ووضعه المادي من خلاله. ولكن، إن حل المثل الأعلى (المطلق/ الإله) في المادة (مسار التاريخ – الطبيعة -.....الخ) تنسد مختلف الثغرات وتنغلق الدائرة وتصبح عضوية (أي تشبه الكائن الحي) نهايتها تصبح حتمية كامنة في البداية، وهذا ما عبر عنه هيجل في فلسفته تعبيراً تاماً، وهو أيضاً ما يتم التعبير عنه نفسه في الفلسفات العلمانية الأخرى بشكل أو بآخر.
9-وتكمن إشكالية اللغة في كل من الحلولية والعلمانية، فحينما يحل الإله في الإنسان يصبح الإنسان إلهاً. ولكن اللغة بطبيعته إنسانية اجتماعية تاريخية ولذا فهي لا تصلح كأداة للتوصل، وكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة إلى أن تصل الرؤية إلى مرحلة الشمول الكامل، ومن ثم لا توجد أي عبارة تصلح للإفصاح. ويظهر وضع مماثل لذلك في الفلسفة اللغوية في العصر الحديث، فقد بدأت بالطموح المعرفي للوصول إلى لغة علمية دقيقة تماماً، لغة بريئة مثل الجبر والهندسة بحيث يصبح الدال متطابقا تماماً مع المدلول، لغة عضوية تكون الكلمة هي الشيء، والشيء هو الكلمة ولا تفصل ثغرة بين أي منهما والآخر (وأقرب مثل على ذلك هو الرمز الجبري، أو الحروف الصينية التصويرية، أو الصيحة الجنسية ذات المقطع الواحد، على حد قول رولان بارث). وبالطبع، فإن هذا طموح معرفي إمبريالي مستحيل، ومن ثم سقطت الفلسفة اللغوية في الغرب في التفكيكية والعدمية وإعلان استحالة التقاء الدال بالمدلول واستحالة الإفصاح.
10-ثمة نقط تشابه أخرى عديدة مثل سيادة الرؤية العضوية للكون في كل من النسقين الحلولي والعلماني، والاهتمام الشديد بالجنس.
لكل هذا، نذهب إلى أن ثمة علاقة بنيوية عميقة بين العلمانية والحلولية وأن انتشار الرؤية الحلولية في المجتمع هو أحد مؤشرات تزايد معدلات العلمنة أو تزايد القابلية للعلمنة، إذ يبدأ الدين في التحول من طاعة للخالق إلى تطويع له، لأن الإله حال في الإنسان والمادة ويمكن فهمه ثم التحكم فيه. بل إننا نذهب إلى أن الحداثة هي نسق فكري يقترب من إلغاء كافة الثغرات وكل ثنائية، وأما (الحداثة) فهي تتأرجح بين قطبي الحلولية المتناقضين : حدود الجبرية الكاملة والحرية الكاملة، الموضوعية المطلقة والذاتية المطلقة. ويمكن استكشاف هذا النمط في فكر فرويد وأدب كافكا ومسرح بيكيت وفي البنيوية والتفكيكية، فهي منظومات معرفية وأخلاقية حلولية تتسم بمعظم أو كل الصفات التي أوردناها. والواقع أن "ما بعد الحداثة" هي بلورة للنسق الحلولي وإظهار لكافة تناقضاته. فهذه المنظومة تنكر وجود أي مركز وأي إمكانية للتجاوز كما تنكر معنى التاريخ والتعاقب التاريخي والقيم الأخلاقية المطلقة وفكرة الكل، وتتسع الدائرة حتى تنكر " ما بعد الحداثة" معنى المعنى وقيمة القيمة وأي إمكانية للمعرفة. وهي تعبير عن فشل المشروع المعرفي الحداثي الذي يبدأ بوهم التحكم الإمبريالي الكامل من خلال اكتشاف قانون الطبيعة ومعرفة الكل العضوي (وهي نقطة الصفر العلمانية المستحيلة) حتى انتهى بإعلان إفلاس العقل واختفاء الإنسان وفشل اللغة، وبأنه لا علاقة بين الدال والمدلول، ولا بين ما نقول والواقع، أو بين ما نقول وما نفعل، فتنتفي بالتالي فعالية الإرادة الإنسانية ويتلاشى الإنسان نفسه. فماذا عساه أن يكون الإنسان بدون عقل أو لغة أو إراد
ة

0 Comments:

Post a Comment

Subscribe to Post Comments [Atom]

Links to this post:

Create a Link

<< Home