Thursday, April 24, 2008

حوارات مأزومة : التمثيل السياسي للأقباط
يمثل تحليل المحاورات أحد منهجيات دراسة النظرية السياسية التحليلية حيث يفيد تحليل المحاورات في الوصول إلى نوع من الفهم لعملية
بناء وتغير المفاهيم فمن خلال تحليل المحاورات يمكن دراسة المفاهيم السائدة في ظرف تاريخي معين والصراع السياسي على المعنى ونقاط التحول في تاريخ هذه المفاهيم وبالنظر إلى أنه لا يمكن أن يوجد مجتمع و لا حقل سياسي يجري العمل فيه بدون مفاهيم فإن هذه العمليات تعكس حركيات العملية السياسية ومن ثم فإن تحليل المحاورالت يسهم في دراسة النظرية السياسية باعتبارها نظرية العمل السياسي ومن ناحية أخرى فإن تحليل المحاورات يثري دراسة النظرية السياسية من خلال دراسة المحاورات الكبرى بين مفكري وعلماء السياسة باعتبار أن النظرية السياسية هي الخطاب المعرفي حول دراسة الظاهرة السياسية أو بتعبير البعض هي أقوال حول كلام العلماء.
وعليه تسعى هذه السطور لتحليل المحاورات التي جرت حول التمثيل السياسي للأقباط هذه والتي جرت في فترات مختلفة منذ بداية القرن المنصرم سواء خلال المؤتمرين القبطي والمصري 1911 ثم عند صياغة دستور 1923 ثم في سياق المحاورات التي جرت بشأن تعديل
الدستور 2005.
ملحوظة مادة المحاورات منقولة ويقتصر جهدي على تصنيفها وفق منهجية تحليل المحاورات
ويمكن دراسة هذه المحاورات باعتبارها خطابات متنوعة لها بنيات محددة تنطوي على مجموعة من المقترحات النظرية المجردة التي
تتضمن نظاماً خاصاً ويمكن إعادة إنتاجها من خلال القراءة
سياق المحاورات
ما إن قبض الإنجليز على السلطة حتى اختفى أكثر الرؤساء القبط من الإدارات والمناصب العليا في الدولة وقل عددهم بالتدريج في مناصب القضاء وتم إحلال السوريين محلهم ويمكن تفسير ذلك بمرونة السياسة البريطانية تجاه الاختلافات الطائفية حيث كانت تستهدف إثارة الشقاق لكن بغير حرص على أن تكون وسيلة إثارة الشقاق هي الاعتماد على الأقلية ففي مصر كانت الخلافات بين المسلمين والأقباط محدودة جداً فحرص الإنجليز على استبعاد الأقباط بدعوى أن الأقباط غير أصدقاء للمصلح الإنجليزي ويقاومون الإصلاحات التي أدخلها بل ادعى كرومر أن الأقباط حسبوا أن العدالة الإنجليزية تعني محاباتهم وتواكب مع هذا الاستبعاد إثارة الإنجليز حق الأغلبية في المناصب الرسمية والإحساس بالفوارق الدينية مع تقديرهم أن هذه السياسة ستلصق بالحكومة المحلية المسلمة وبهذا يتخلص الإنجليز من العنصر القبطي وإحلال أقليات أخرى من الشوام والبروتستانت وغيرهم ومع الزمن تثور مشكلة اضطهاد الأقباط واستبعاد الأقباط وتتبادل ردود الفعل العشوائية وغير العشوائية وينمو الإحساس الذاتي لدى كل من الأقباط والمسلمين مع العمل على جذب بعض عناصر القبط إليهم ثم تثور المشكلة فيتدخل الإنجليز لعلاجها لصالح الأقباط لتظهر بريطانيا بمظهر من يحميهم من المسلمين وقد ارتكز الإنجليز على الذوات والأعيان في تقوية المشاعر الذاتية بين المسلمين والأقباط تقوية من شانها أن تؤدي للفرقة الطائفية وذلك من خلال حلفائهم في الجانبين المسلم والقبطي.
حيث عمل الاحتلال البريطاني على خلق فئة من أغنياء القبط والمسلمين وحرص على زيادة ثرواتهم وتضخيمها إلى حد ربطهم به وبسياساته وبالنسبة للقبط احتل الملاك الأقباط في تلك الفترة مركزاً هاماً بين أصحاب الملكيات أكثر من ألف فدان مثل عائلات خياط ودوس وبشرى حنا و ويصا في مديريات المنيا وأسيوط وأندرواس وبولس و بشارة عيد في قنا كما احتلوا مراكز صناعية هامة إلى جانب ثرواتهم الزراعية وحرص الاحتلال أن يغلب على هذه الفئة من المتحولين إلى البروتستانتية خاصة في أسيوط حيث ركزت البعثات التبشيرية في في بداية القرن العشرين كان الأقباط يملكون خمس ثروة مصر من الأراضي الزراعية والمباني خلاف ثرواتهم في المصارف برغم أن نسبة القبط كانت 6% فإنهم كانوا يدفعون 16% من الضرائب المستحقة على الأراضي وهذه العائلات البالغة الثراء لم يعرف لها نشاط اجتماعي واسع بالنسبة للأعمال الاجتماعية والخيرية التي تفيد القبط وكانوا عازفين عن نصرة طائفتهم الأصلية ضد سياسة التعليم التبشيرية التي أنشأت كلية البنات الأمريكية والمهم أنه كان لكثير من هؤلاء أثر كبير في محاولة تنمية الخلاف الطائفي.
أما على الجانب المسلم فقد جند الاحتلال لخدمته من كبار الموظفين عدداً كبيراً تمكن به من الهيمنة على مقدرات جهاز الدولة وذكر الكاتب الإنجليزي هـ ليدرز أن بعضاً من كبار المسلمين ذكر له أن فكرة التمييز أوحى إليهم بها من الإنجليز أنفسهم كما ذكر الشيخ علي يوسف إن إشارة جاءته من جورست للقيام بخطة التفرقة الدينية وقال إنه قبل الاحتلال لم تكن توجد أي تفرقة بين المسلمين والأقباط ونجحت هذه السياسة بإثارة الفتنة الطائفية بين 1908- 1911
وفي هذا السياق انعقد المؤتمر القبطي في6 مارس 1991 ليناقش - ضمن مسائل أخرى -
- التعويل على الكفاءة دون سواها في الترشيح في الوظائف العمومية للمصريين بدون أن يكون هناك دخل لأي اعتبار آخر وبالأخص بدون ذكر النسبة العددية على الإطلاق
تشخيص جميع العناصر المصرية في جميع مجالسها النيابية تشخيصاً يضمن للجميع المدافعة عن حقوقهم والمحافظة عليها.
وقد انعقد رداً على هذا المؤتمر المؤتمر المصري في 29 إبريل 1991 برئاسة رياض باشا الذي قرر في جلسته الافتتاحية أن هدف المؤتمر مناقشة المسائل العمومية التي تشغل الرأي العام الآن ومنها "ما يسمونه بمطالب القبط" "لأن حال البلاد لا تسمح بتقسيم المصالح بين أبنائها تبعاً لانقساماتها الدينية..." وذكر أنه ستعرض على المؤتمر موضوعات أدبية واقتصادية لترقية التعليم وتنمية الثروة العمومية.
اما بالنسبة للمحاورات التي جرت عام 1923 بشأن إعداد الدستور فقد سعت لموجهة السياسة البريطانية التي كانت حريصة على أن تصبغ مصر في صورة (جماعة دولية) ، تتكون من مجموعات سكانية متنوعة ومتخالفة بإعمال وسائل التفتيت القومي لمصر ومحاولة استغلال الأقباط في هذا باعتبارهم الأقلية الدينية الأساسية فإذا أمكن عن طريقها إقرار هذا المبدأ أمكن اصطناع أقليات أخرى إلى جوارها ، كالعرب (البدو) والأوروبيين وغيرهم . وبدأ تنفيذ هذه السياسة منذ 1908 ، ثم اتخذت شكلها القانوني الأول عند انشاء الجمعية التشريعية في 1913 بتقرير التمثيل الطائفي فيها فكانت أول مؤسسة نيابية من مؤسسات الدولة في مصر الحديثة يتقرر في تكوينها رسميًا هذا المبدأ . ولم يكن الحرص علي تقرير مبدأ التمثيل الطائفي مقصوداً به تأكيدً التفرقة بين القبط والمسلمين وغيرهم وحسب بل وتقريراً مبرراً لقبول مبدأ التكوين المختلط بالانتخاب والتعيين معًا في الهيئات التشريعية من منطلق أن التعيين هو الأسلوب الذي يكفل تمثيل الجماعات السياسية أو السكانية التي لا يفضي طريق الانتخاب إلي تمثيلها مما يعطي الحاكم سلطة التعيين في المجالس النيابية منعًا من طغيان أية مجموعة علي الأخري. وبذلك يظهر هذا النوع من الحكومات بمظهر الحكم الفيصل بين جماعات شعبية غير متعاونة أو غير متجانسة ، فتتأكد التفرقة الطائفية وتتأكد سلطة الحكومة علي هذه المجالس.
ثم تجدد الجدل حول تمثيل الأقباط في 2005 باقتراح التعديلات الدستورية التي هدفت كما قال مؤيدوها إلى دعم المشاركة السياسة وتحقيق المواطنة الكاملة لكل المواطنين وجاء اقتراح هذه التعديلات بعد العديد من التوترات بين المسلمين والأقباط.
بنية المحاورات :
على جانب القائلين بضرورة التمثيل النسبي للأقباط في المناصب السياسية والمجالس النيابية فإن الأطروحة الأساسية للمتحاورين تمثلت في عدم تكافؤ تمثيل الأقباط سياسياً سواء في المواقع التنفيذية العليا في تولي الوزارات أو في المجالس النيابية فذكر مرقس حنا في المؤتمر القبطي 1911 أنه إذا كان الهدف الواحد للمصريين هو اشتراكهم في إدارة شئون الأمة فإن الأقلية تبغي أن يكون لها وجود حقيقي في المجالس الدستورية النيابية أو الشورية ، وأن تشارك فعلاً في هذه السلطة. واجتهد أن يستعير من النظم الانتخابية ما يمكن تنفيذه عملاً للإفساح للأقباط في الانتخابات دون أن يقترح اشتراط نسبة لهم في مقاعد المجالس النيابية ، ودون أن يرد في القانون تنصيص يتعلق بالأقباط والمسلمين اما في مناقشات لجنة دستور 1923 فقد دار النقاش صراحة حول النص على ضمان تمثيل الأقباط كأقلية في الدستور وتخصيص نسبة لهم من مقاعد المجالس النيابية حيث طرح رئيس لجنة وضع الدستور "حسين رشدي" بعد اثارة الموضوع من قبل توفيق دوس مسألة وضع "نظام للأقليات يضمن تمثيلها النيابي" بالنظر لاعتبارين الأول سياسي والاخر قانوني فسياسياً يقفل وتمثيل الأقليات الباب أمام التدخل الأجنبي بدعوى حماية تمثيل الأقليات كما أن هذا التمثيل لا يعني تفرقة بين المصريين بل أن إهماله هو ما يحمل مظنة التفرقة ، إذا لم ينتخب منهم أحد فظن جمهورهم – صواباً أو خطأ – إن حقه مهضوم ، أما السبب القانوني فهو أن المجلس النيابي يقرر التنظيمات والقوانين ، وقد يقرر – بحسن نية – ما تراه الأقلية ماساً بها أو مضراً بحقوقها ، والخير أن يوجد فيه من ينبه إلى ذلك .
ومن ناحية أخرى اقترح البعض قيام حزب غالبيته من الأقباط لينهض بمهمة دفع مشاركة الأقباط في الحياة السياسية بل وأعلن الناشط ممدوح نخلة قيام هذا الحزب مع التأكيد على أنه حزب مدني غالبيته من الأقباط حيث أكد وكيل مؤسسي حزب الأمة المصري "أنه ليس حزبا قبطيا، وأن الاعلام أطلق عليه هذه التسمية لارتباطه به" وقال «نحن لسنا حزبا دينيا وإنما علماني»..
شخصيا كونه أبرز النشطاء في الملف القبطي في مصر. وتعليقاً على التعديلات الدستورية التي تم إقرارها في 2005 أشار البعض لوجود العديد من معوقات التمثيل السياسي للقباط واقترح البعض التغلب على هذه المعوقات بإقرار التمثيل النسبي للأقباط واتخاذ العديد من الإجراءات السياسية والقانونية التصحيحية لرفع هذا التمثيل.
اما على جانب القائلين بضرورة دفع التمثيل السياسي للأقباط من خلال فتح أفق المشاركة السياسية ووفي سياق دفع مشاركة كافة فئات المجتمع ككل فإنهم يرون أن الوصف الديني (القبطية) لا يمكن أن يكون أساساً للتمثيل السياسي الخطأ الفاضح هو تقسيم الأمة المصرية باعتبارها نظاماً سياسياً إلى عنصرين دينيين ، أكثرية إسلامية وأقلية قبطية لأن مثل هذا التقسيم يستتبع تقسيم الوحدة السياسية إلى أجزاء دينية ، أي تقسيم الشئ إلى أقسام تخالفه في الجوهر . الأمة باعتبارها كائناً سياسياً أو نظاماً سياسياً ، إنما تتألف من عناصر سياسية كذلك . فأيما مذهب من المذاهب السياسية أو نظاماً سياسياً ، إنما تتألف من عناصر سياسية كذلك . فأيما مذهب من المذاهب السياسية اعتنقه أفراد أكثر عدداً وأثراً كان اكثرية ، وكان الآخر أقلية . وعلى هذا يمكن فهم الأكثرية والأقليات في الأمة ، وليس للدين في ذلك دخل أما في سياق مناقشة دستور 1923 فقد كان الرد على مؤيدي النص على تمثيل الأقباط بأن دواعي هذا النص غير قائمة فذكر عبدالحميد بدوي أن والمعاهدات الدولية الحديثة لم تزد عن تأكيد مبدأ المساواة ، ولم يقبل أحد تقرير مبدأ (تمثيل الأقليات) . والسبب القانوني غير قائم أيضاً لأن الأكثرية ليست أكثرية فحسب ، بل هي طوائف تفصل بينهما المصلحة كالملاك والتجار والمهنيين . ولا يقول أحد بوجوب تمثيل هذه الطوائف . وعلاج مثل هذه الأمور يكون بالصلة الطبيعية بين المجلس النيابي والرأي العام والمجلس النيابي مجلس سياسي لا مجلس ديني ، والنائب يمثل الأمة كلها لا ناخبيه فقط ، والأساس أن يترك الناس لاختيار مندوبيهم حسب ميولهم السياسية. بل إن تقرير تمثيل الأقليات يعني شطر البلد شطرين يعيشان منقسمين وهو بدعة في النظم النيابية ، وإذا اعترف بتمثيل القبط ظهرت بعدهم أقليات كثيرة كل يطلب ذات الطلب ، ثم فيتحقق ما يريده المحتل من أن تصبح مصر "خليطاً ليس له طابع أهلي ومسرحاً للمنازعات الدينية والجنسية" وهو ما يمكن أن يؤدي إليه قيام حزب قبطي وإن ادعى أن مرجعيته ديمقراطية مدنية حيث قرر أعضاء المؤتمر المصري في 1911 " لا نقبل أن يكون في مصر حزب سياسي يجمع شتات الأقباط ، أمام حزب إسلامي يجمع شتات المسلمين .... لا نقبل أبداً ما يرمى إليه مؤتمر أسيوط من جعل سياسة هذه الأمة مبنية على الفوارق الدينية ... فليكن مبدوئاً ... لا وطن للدين ولا دين للوطن ، عقائدنا جميعاً لله وهذا الوطن للمصريين"
وفي إطار هذه البنية العامة يمكن تحديد عدد من المحاورات الفرعية حول الأطروحات التالية:
هل يفتقر الأقباط لتمثيل سياسي مناسب؟
يلاحظ أن ثمة إنكار لوجود تمييز ضد الأقباط في البناء القانوني أو بشكل نظامي فيعد التقرير الذي أقره المؤتمر المصري 1911 أمثلة لما يلقاه الأقباط في الانتخابات بما لا وجه معه للشكوى من معاملة المسلمين لهم ، إذا انتخب قبطي بمركز السلطة وكل ناخبيه مسلمون ، وانتخب قبطي بمركز الصف والناخبون 40 منهم أربعة فقط من القبط ، وانتخب قبطي بمركز بني مزار والناخبون 50 منهم 5 فقط من القبط ، وانتخب قبطي بمركز الفشن والناخبون 36 منهم أربعة فقط من القبط ، وانتخب قبطي بمركز ديروط والناخبون 58 منهم 5 من القبط وانتخب قبطي بمركز أبو تيج والناخبون 37 منهم 6 من القبط . وانتخب بالجمعية العمومية نائب قبطي من نائبين لمديرية المنيا (273منهم 24 قبطياً). وجملة القبط في الجمعية العمومية 5 أعضاء من مجموع 76 عضواً بنسبة 7% ، وجملتهم 3 بمجلس الشورى من مجموع 30 نائباً بنسبة 10% فالجماعة الوطنية في مصر – كما يشير المستشار طارق البشري - متشكلة ومتبلورة على أسس فكرية ونظرية وعلى سلوك عملي وتعتمد على المساواة والمشاركة في الحقوق والواجبات. ويرى جمال أسعد الناشط السياسي أن الحقوق السياسية التي تتمثل في المشاركة في إدارة شئون البلاد في النواحي الدستورية والسياسية والقانونية, تلك الحقوق التي ينص عليها الدستور ويبيحها القانون تتيح للأقباط الفرص في المشاركة الحقيقية والفعالة في إدارة البلاد وبرغم هذا التأكيد يوجد مع إقرار تختلف درجته بوجد مشكلات في تمثيل الأقباط فعلى سبيل المثال فإن الحكومة المصرية في ردها على ما أثارته منظمةالعمل الدولية عن التميز ضد الأقباط تشير إلى أن أن تمثيل الأقباط في البرلمان والمناصب الوزارية متوازن وان اختيارهم يتم على أنهم مصريين فإن الدوائر التي يتم نجاحهم فيها في البرلمان تسكنها غالبية من إخوانهم في الوطن من المسلمين وأن الحكومة الحالية تضم في عضويتها وزيرين من الأقباط يتولى أحدهما واحدة من أهم الوزارات وهي وزارة المالية والتأمينات والثاني وزارة البيئة ومع ذلك فإن الحكومة تقر عملياً بوجود مشكلات في تمثيل الأقباط حتى داخل الحزب الحاكم بل ويرى د. أبو العلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط أن التمثيل السياسي للأقباط بدرجاته المختلفة يوجد به مشكلة، وهي لا تقع علي عاتق طرف واحد بل علي عاتق كل الأطراف المسلمة والمسيحية، الحكومة والمعارضة، الدولة والمجتمع.
وعلى الجانب الآخر يرى البعض أن الأقباط يواجهون مشكلة حادة في التمثيل السياسي حيث يكاد يغيب تمثيل الأقباط في كافة مؤسسات الدولة فيرى د.ميلاد حنا أن "الأقباط غير موجودين بالمرة علي مستوي العمل السياسي ولم يعد يعتد بهم أحد وغابت الآليات التي تدمجهم في المجتمع ولا تهمش دورهم، وعلي مستوي النشاط الحزبي، نجد تجاهلا واضحا من الحزب الوطني للأقباط، وفيما يخص الأحزاب الأخري التي رحبت بانضمام الأقباط فإنها أحزاب غير فاعلة ومعطلة لن تضيفللأقباط شيئا ولن تمكنهم حتي من إفادتها.
من المسئول عن مشكلات تمثيل الأقباط:
يميل مؤيدو وضع ضمانات قانونية ومؤسسية واتخاذ إجراءات للتمييز الإيجابي للأقباط لضمان تمثيل الأقباط بهذا الوصف في المؤسسات والتنظيمات السياسية يميلون للتأكيد على المناخ العام الطارد لمشاركة الأقباط و تأكيد الطبيعة البنيوية لهذا المناخ تسويغاً لوضع هذه الضمانات دون اهتمام بسياقات المشاركة والتمثيل السياسي فمن وجهة نظرهم تتمثل عناصر هذا المناخ الطارد في : المناخ الطائفي " لأنه في فترة من الفترات سيطرت خلالها الجماعات الإسلامية علي مقاليد العملية الانتخابية, فكيف يؤثر الأقباط أو يكون لهم وجود في هذا المناخ؟" يضاف لذلك مزايدة النظام الناصري ثم الساداتي على جماعة الإخوان بإعادة الدولة الدينية" فكان "الدين كان حاضر لآداء وظيفته في عهد عبد الناصر والعنصر الثاني ضعف النظام الحزبي بعد أن قامت بتأميم العمل السياسي وتضييقه علي كل المصريين، ثم إعادة الأحزاب السياسية في عهد السادات لبمجرد إضفاء شكل ديمقراطي على النظام خاصة مع "التديين والفرقة التي تمارسها الخطابات الطائفية لبعض الأحزاب المصرية سواء بالحديث أو التعامل مع ما يسمى بالصوت الانتخابي " الإسلامي " أو " القبطي " فأصبحت الأحزاب بما فيها الحزب الوطني الحاكم لا تحرص على دعم تمثيل الأقباط.
و يرى البعض أن ثمة أطراف ثلاثة تتداخل أدوارها في إضعاف التمثيل السياسي للأقباط هي : المناخ السياسي يري أنه لم يسع بجد لترسيخ ثقافة ومفهوم المواطنة في الوعي الاجتماعي العام، ولم يحفظ للأقباط حقوقهم المتعلقة بالمساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص، و الكنيسة التي تتحمل جزءاً من المسئولية بعدما تخلت عن دورها الروحي والقيمي وبدأت تلعب دورا سياسيا مع جلوس البابا شنودة الثالث علي الكرسي البابوي عام 1971، فسعت لأن تبدو الممثل الأوحد للأقباط دينيا وسياسيا وتكون الوسيط الوحيد بينهم وبين الدولة، وعملت علي انزواء الأقباط وانغلاقهم علي أنفسهم وشجعتهم علي اللجوء إليها في كافة مشاكلهم الحياتية وثالثاً مسئولية الأقباط الذين بالغوا في الانكفاء علي أنفسهم وفي اتهامهم للمناخ السياسي بعدم تلبية مطالبهم، خاصة أن معظم تلك المطالب التي يتحدثون عنها والمتعلقة بتقلد المناصب العامة وتكافؤ الفرص هي مطالب ينشدها المصريون جميعا أقباطا ومسلمين.
ومع ذلك فإن أنصار الرأي الأول المشار إليه عاليه يأولون هذه الأدوار وإسناده لطبيعة المجتمع والنظام السياسي والثقافة السياسة بما لايدع حلاً إلا التمثيل السياسي من خلال تحديد نسب على أساس الانتماء الديني فمثلاً بالنسبة لدور الكنيسة فإن المسئول عن تنامي هذا الدور النظام الناصري الذي دمر البرجوزاية السياسية المصرية التي كانت تضطلع بمسئوليات تمثيل الأقباط سياسياً بوصفهم مواطنين لا بوصفهم الطائفي فالنظام الناصري أحال إلى التقاعد النخب الليبرالية المسيحية التي كانت توازن نفوذ الكنيسة فى أوساط الأقباط في النصف الأول من القرن العشرين.
و تعامل النظام الناصري ثم الساداتي مع المسيحيين كطائفة، نظرا لأنه كان ولا زال يتعامل مع الفئات الاجتماعية عموما بوصفها طوائف يجب ضمان تأييدها فهو نظام للطوائف أو كوربوراتي. هذا النظام الكوربوراتي يقوم على توحيد كل جماعة اجتماعية في منظمة واحدة "تمثلها" وتكون خاضعة لسيطرة الدولة. وهكذا الكنيسة سيطرة شبه مطلقة على "الطائفة المسيحية" منذ الستينات، تلك السيطرة التي شجعها النظام إلى أقصى مدى، باعتباره نظاما كوربوراتيا طائفيا لا تستقيم سيطرته على المجتمع إلا من خلال مؤسسات قوية تؤطر وتحتوي الطوائف. وبالمنطق نفسه تعامل نظام مبارك مع المسيحيين خلال انتخابات الرئاسة كطائفة يجب ضمان تأييدها من خلال دور الكنيسةا لأقباط ازدادوا تهميشًا وانعزالاً على الصعيد السياسي من جراء التعديلات الدستورية، وليس العكس. وكان هناك حرص -رسمي وكنسي- على أن يظهروا "كتلة سياسية" في صف النظام، تأييدًا على أساس ديني وليس سياسيًّا، وهو بذلك يختلف عن جوهر وفلسفة التعديلات الرامية إلى إبعاد الدين عن التوظيف السياسي الذرائعي، حسب ما يردده رموز الحكم.
وبالمثل فإن تقوقع الكثير من الأقباط وعزوفهم عن المشاركة إنما جرى لآن " والمواطن القبطي اليوم يعيش في الفضاء الاجتماعي "الأضيق"، بعد أن تخلَّى عنه الفضاء الاجتماعي الأرحب، فأصبح مكانه في الكنيسة وليس المجتمع .... في هذه الظروف من الطبيعي أن تتحول الكنيسة إلى عالم القبطي الصغير بعد أن ضاق من حوله عالمه الكبير
أما وجهة النظر الأخرى فترى أن السعي إلى بناء مجتمع سياسي يقوم على الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة، وعمل الأقباط على التصدي لكافة أشكال التمييز التي تواجههم بوصفهم أقباطًا من خلال النضال الوطني الشامل سوف يؤدي إلى إدراك الأقباط أن قضايا الوطن تأتي في المقدمة، ويمكن من خلال الاشتباك معها تسوية العديد من المشكلات الطائفية الخاصة.
ومن خلال السعي القبطي الخاص سوف يدرك الأقباط أن مشكلاتهم الخاصة -على إلحاحها وأهميتها- لن تحل إلا في إطار السياق الوطني العام وهكذا عبْر مخاض الجدل والمشاركة في القضايا المصرية العامة والقضايا القبطية الخاصة يولد مفهوم المواطنة، بشكل يتجاوز الطائفية، يتسع ويتمدد قدر اتساع وتمدد حركة المواطنين الأقباط أنفسهم على أرض الواقع.
فأي جهد يبذل لصياغة نموذج متقدم للعيش الواحد - من ناحية التمثيل السياسي - يمكن أن يحقق أهدافه عندما تطرح مكونات هذا النموذج من منظار مستقبلي وفي إطار نهوض مستأنف لحركة الإنماء والتحرر والاستقلال الوطني.
ما ضمانات التمثيل الكفء للأقباط:
يرى مؤيدو دعم تمثيل الأقباط بناءاً على هذا الوصف ضرورة وضع ضمانات قانونية ومؤسسية واتخاذ إجراءات للتمييز الإيجابي للأقباط لضمان تمثيل الأقباط في المؤسسات والتنظيمات السياسية.
في حين يرى بعض انصار دعم تمثيل الأقباط من خلال دعم المشاركة المجتمعية في العملية السياسية أن الأقباط لا يستقلون بهذا الوصف بضمانات خاصة بل إن دعم مفهوم المواطنة بما يشمله من حقوق لكل المصريين مسلمين وأقباط كفيل بدفع التمثيل السياسي للأقباط ويرى مؤيدو المرجعية الدينية للدولة المدنية أن أن الضمان الأمثل لعلاقات المساواة بين المسلمين والأقباط -أو بين المسلمين وغير المسلمين عامة- لا بد أن تصدر عن الإسلام والمسلمين، ولا توجد ضمانة للأقليات في بلادنا لكي تحقق المطلوب في هذا المجال إلا بأن تقدم هذه الضمانة من داخل الفكر الإسلامي وبمادته
مفترضات المحاورات :
تهدف المحاورات توصيل رسالة اتصالية بين المتحاورين بما يفرض - لقيام حالة التحاور- وجود مجموعة من المفترضات في الحوار يشترك في معرفتها نظرياً وضمنياً المرسل والمستقبل من إطار مرجعي وعقائد ومسلمات وبهذا المعنى يمكن تحديد عدد من المفترضات في المحاورات حول تمثيل الأقباط على النحو التالي:
1- إدانة الطائفية وحماية الوحدة الوطنية كهدف للحوار
ففي مؤتمر اسيوط المنعقد 1911 حرص المؤتمرون على تأكيد الانتماء الكامل للوحدة الوطنية فارتفع العلم المصري على مقر الاجتماع وابتدئ بعزف السلام الخديوي وكان اول الخطباء ميخائيل فانوس المحامي بالفيوم الذي تكلم عن " توثيق عرى المحبة بين المسلمين والأقباط " فشعب مصر" هم من الأسكندرية حتى أسوان يشكلون مجموعاً واحداً لا يميزهم إلا المعتقد ومن الظلم تسميتهم بأنهم عنصران " وبالجلسة الرابعة ، تحدث مرقس فهمي فذكر أن الأقباط لا يجهلون أنهم مصريين قبل كل شئ ، واجتماعهم لا يعني أنهم يتوهمون أن الرابطة الطائفية أقوى من الرباط الوطني ، (ولا للمطالبة بحق بطريق العداء والتقسيم) ، ولا يريدون إلا تمكين الشعور الوطني في النفس)
(ألا فلنجعل الوطنية ديناً عاماً للمصريين ، تعبره كل نقطة من أرض مصر ، يشترك المصريون في أداء واجباته المقدسة فيلتفون حوله خاشعين متساندين أما المؤتمر المصري فقد أكد في مداولاته على أن المسلم والقبطي كلاهما ابن الأمة المصرية ، وكلاهما له الحق الكامل في خدمتها والاعتزاز بتلك الخدمة، وأنها لو رجعت إلى نفسها لشعرت بأنها تحن إلى المسلم والقبطي على السواء
أما بالنسبة للمحاورات بصدد دستور 1923 فقد أصدر الوفد بياناً وقعه واصف غالي ومرقص حنا وغيرع هم من زعماء الوفد جاء فيه أنه: ليس في البلاد أقلية وأكثرية ، ولا يدين القبط والمسلمون إلا بدين الحرية والاستقلال ، وأن الاتحاد والتضامن هما موضع إعجاب العالم بأسره ، ومصلحة الوطن تأبى تقسيم أبنائه فتحل القيود المصطنعة محل الإخاء والمحبة" وأنكر العديد من الكتاب في الصحافة أن في مصر أقليات "لأن الأقليات توجد باعتبار اختلاف الجنس أو الموطن كالأرمن واليونان في تركيا إذ تكون الفوارق جمة ، بينما لا يوجد في مصر إلا شعب من أصل واحد متجانس في العادات والأخلاق والمزاج زمن قال بالتمثيل النسبي للأقباط وحتى من قال بالنص على تمثيل الأقليات مثل محمود عزمي فقد رأى أن هذا التمثيل "ليس بدعة بل هو تمش مع كمال التمثيل القومي".
المواطنة كأساس لاكتساب الحقوق السياسية:
ففي مؤتمر أسيوط أكد أول المتكلمين ميخائيل فانوس " (أننا) نريد أن يتفاهم الكل معنا أننا مصريون قبل كل شئ... تجمعنا رابطة واحدة هي الجنسيةوالوطن" أما مرقس حنا فقال " أبغض أن يذكر القانون كلمة قبطي ومسلم" ، وأن الواجب على كل مصري يريد أن يقوم بواجبه نحو وطنه ، أن يعمل على عدم ذكر كلمتي قبطي ومسلم عند التعرض للشئون المصرية العمومية.
في حين قرر المؤتمر المصري "إن الحقوق والمرافق في مصر إنما هي على الشيوع بين جميع المصريين على السواء ، لا امتياز لأحد منهم على أحد بسبب كونه مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً . ومن الظلم الصارخ أن يقع هذا الامتياز لفرد من الأفراد أو لمجموع من المجاميع بسبب أنه على دين المصريين (الإسلام) أو على دين غيرهم".
تحليل حقول الدلالة في المحاورات:
يقوم تحليل حقول الدلالة علة محاولة تحديد المفردات الأساسية في المحاورات وتحديد شبكة علاقاتها وتصنيفها وعليه يمكن تحديد شبكةالمفاهيم التالية في المحاورات:
- المدنية (مدنية النظام الاجتماعي والدولة والتمثيل السياسي )
بمعنى أن تكون اعتبارات المصلحة السياسية هي أساس الائتلاف و الفرز السياسي فلا يكون للانتماء الديني مدخل في تقرير الحقوق والامتيازات والتمثيل السياسي
المواطنة:
فسواء القائلون بالتمثيل الخاص للأقباط و الرافضون له يرون مبدأ المواطنة كأساس للتمثيل السياسي فالقائلون بالتمثيل النسبي يرون في هذا التمثيل إعمال لمبدأ المواطنة "فمن المهم أن يشارك الأقباط بدفع مصر إلى طريق الديموقراطية والتحديث وأن يتاح لهم المجال لذلك. فممارسة الديموقراطية ترتبط أساسا بالمواطنة، فالمواطنة تعني "المشاركة" و "المساواة" ومن ثم فالديموقراطية الكاملة تعني المساواة الكاملة والحقوق المتكافئة.
المساواة
والمساوة هنا تختلف عن التسوية التي تعنى التعامل مع المختلفين بمنظور واحد وهنا يختلف كل من مؤيدي حجز نسبة للأقباط ومعارضوهم في رؤيتهم لكيفية تحقيق المساوة فمؤيدو التمثيل الخاص للأقباط يرون اتخاذ إجراءات تمييزية لمساندة الجماعات المضطهدة والمهمشة حتى إنتهاء الأضطهاد والتهميش والأرتقاء بوضعها ليماثل وضع الأغلبية، إذن هي إجراءات مؤقتة لضمان المعاملة المنصفة لأعضاء مجموعات تعرضت تاريخيا إلى تمييز مقصود، كما أنها لتسريع قيام مجتمع مندمج بالفعل.
ويسميها فتحي رجب هذه المساوة "بالمساواة الرافعة" لرفع مستوي الضعفاء إلى مستوي الأقوياء أو خفض مستوي الأقوياء إلى مستوي الضعفاء (المساواة الخافضة) فالأمر لايدور في فلك المساواة بين متساوين بل يتمحور حول مبدأ التمييز بين غير متساوين
اما معارضي هذا النوع من التمثيل فيرون أن المساواة بالنظر لوصف المواطنة دون غيره من أوصاف فكما يقول المستشار البشري " التمثيل حسب التعداد السكانى الدينى مرفوض تماماً ولا يتفق مع القانون ولا مع حق المساواة فالانتخاب يكون بموجب المواطنة وليس
الدين..فالأصل فى القضية هو تحقيق التكامل الخاص بالمجتمع بمعنى أن الاقباط قد ينتخبون مسلماً يحقق آمالهم والمسلمون قد ينحازون لقبطى لأسباب موضوعية لا يرونها فى مسلم وهذا حدث وتكرر فى التاريخ القريب والمعاصر دون تدخل معتمد سواء عن طريق القائمة أو الانتخاب الفردى كما أن الترشيح يجب ان يخضع لمعايير الكفاءة والسمعة والقدرة على خدمة الجماهير وكلها مفاهيم لا علاقة لها بالدين أو أى بعد طائفى.
حقل الدلالة المرجعية
ويفيد تحليل حقل الدلالة المرجعية في توضيح مرجعية الحوار لدي كل من أطرافه وإلى أي مدى يمكن أن تجد مرجعية مشتركة يمكن الاحتكام إليها
ومن ناحية أخرى يوضح تحليل حق الدلالة المرجعي مدى اتساق شبكة المفاهيم مع المفهوم المركزي في المحاورات ومن ثم اتساق بنية الخطاب مع إطاره المرجعي وفي هذا السياق يمكن اعتبار حق الدلالة المرجعية بين المتحاورين يدور حول دور الدولة.
فهذا الدور يجب أن يكون محايداً إزاء التمثيل السياسي على اساس الاختلاف الديني دعماً لمفهوم المواطنة في حين يرى مؤيدو التمثيل الخاص للأقباط أن الدولة يجب عليها دعم تمثيل الأقباط بهذا الوصف نظراً للوضع المنحاز ضدهم فالحياد هنا حياد إيجابي يعمل على الماوزنة تمهيداً للمساوة.
تحليل مسارات البرهنة:
مسار الخبرة التاريخية:
فيرى مؤيدو التمثيل الخاص للأقباط أن الأقباط تعرضوا لمظالم تاريخية وتهميش قسري خلال نصف القرن الأخير، وفيما يتعلق بالتمثيل هناك الأوضاع المانعةفمنذ خمسين عاما والأقباط يحاولون دخول المجلس النيابي بنسب عادلة ولكنهم فشلوا أو بمعني أوضح أفشلوا من قبل النظام السياسي والقوي السياسية ولا يستقيم هذا التمييز السافر وفلسفة المواطنة والديموقراطية"
أما مناهضو هذه الرؤية فيرون لابد من دراسة عملية التفاعل بين مسلمي مصر وأقباطها من منظار تاريخي فمن خلال هذا المنظار بالذات يتجلى ما تتضمنه العلاقات بين السلمين والأقباط من خصوصية كما يتسع مجال فهمها وتتجلى إمكانتها
إن هذه العلاقات لم تخلو من الاحتكاك وأحياناً من الصراع لكن موجبات التكامل والاندماج ظلت ترجح العوامل التي يمكن أن تكون دافعاً للانعزال ذلك أن سيرورة هذا التفاعل ظلت تحكمها الأسس الثابتى للحياة المشتركة وما ارتبط بهذه الأسس من الوعي في النهاية بوحدة المصير.
ففي مؤتمر 1911 أشار المؤتمرون إلى أنه " في عهد الخديو اسماعيل ، إذ كان زمام الحربية في يد عياد بك حنا ، وزمام المالية في يد وهبة بك الجيزاوي وعريان تادرس ودميان بك جاد ، وإذ كان السر تشريفاتي الخديوي هو واصف باشا عزمي ، ووجد من رؤساء المعية (حاشية الخديو) جرجس بك وصفي ، فلم يحدث التمييز ضد الأقباط"
مسار اعتبار الواقع غير المواتي لتمثيل الأقباط:
فأشار محمود عزمي على سبيل المثال – تعليقاً على مداولات دستور 1923 –
إلى أن الحقيقة التي تحتم تمثيل الأقليات هي أن الواقع المصري لا يتفق مع جميع الأماني ، وظروف الحياة الاجتماعية سائرة في طريق بروز القومية المصرية كأساس وحيد ، ولكن لا تزال الأمور تمشي على قواعد لا تساعد على اندماج العناصر كلها بعضها مع بعض. فطالب عزمي بالمظاهر المدنية البحتة في الأسرة والتعليم والتفكير والقضاء وكل نواحي النشاط المصري ، وأن تكون هناك قواعد واحدة للزواج ومحاكم واحدة للنظر في كل المنازعات وقواعد واحدة للتعليم والتربية في المدارس، بغير تمييز بين فريق وفريق حسب التبعية الدينية ثم قال إن الواقع المصري لا يسمح بتحقيق ذلك لا بد من تمثيل الأقليات ما دام الدستور لا يهدم العتيق من المبادئ الاجتماعية التي تبقى الهوة بين الطوائف ، ولا قول بأكثرية وأقليات إذا قامت الوحدة على أساس من الشتريع المدني ، وإلى أن يقوم الأساس (يجب احترام الواقع وحذار من إهمال اعتباراته.
ويرد معارضوا هذا التمثيل الخاص للأقباط بأن المطلوب تغيير الواقع وليس تكريسه بإيجاد الدوافع التي توجب استمراره فرد عبد الحميد بدوي على توفيق دوس القائل بتمثل الأقليات " ووجود التمثيل الخاص بالأقليات الدينية يوجد الجهة التي تحرص عليه فتزيد الفوارق وتنمو "
المسار الإحصائي:
فيقارن البعض بين الوضع الحالي وما كان عليه الوضع في العهد الليبرالي بإيراد نسب تمثيل الأقباط في الوزارات والبرلمان ويعلق " ونظرة سريعة لهذه الإحصائيات تؤكد أن عدد الأقباط الذين انتخبوا في ثماني برلمانات 22 نائب ، وعدد المعينين 47 نائب ومتوسط وجود الأقباط في البرلمان الواحد 5.8 نائب ، وإذا قيست هذه النسبة بإجمالي عدد النواب فإنها لن تشكل سوى أقل من الواحد الصحيح في المائة ، وأما عن الوزارات ، فلا يوجد ولا قبطي واحد تبوأ وزارة سيادية في الفترة من 1952 - وحتى الآن سوى يوسف بطرس غالي.ويعرض سمير مرقص تاريخ التمثيل البرلماني لأقباط مشيرا إلي أن نسبة هذا التمثيل وصلت إلي 7% الفترة بين عامي 1924 و1952 وانخفضت في الوقت الحالي إلي أقل من 2% . كما أشار إلى عودة للنظر للأقباط، منذ فترة السبعينات، باعتبارهم " أهل ذمة " وتقسيم الجماعة الوطنية علي أساس: مسلم وغير مسلم وذلك في ظل المد الإسلامي الذي شهدته تلك الفترة.
ويرد المعارضون برفض وجود علاقة رابطة بين الحجم العددي لجماعة ما من المواطنين وبين مدى المساواة التي يتعين أن تكفل لأفرادها،(المفكر طارق البشري ) بل ويذهب ظابو العلا ماضي إلى أنه لو كانت نسبة الأقباط في مصر أقل من واحد في المئة ما تأثرت حقوقهم من الناحية الفقهية الإسلامية, فالعدد والنسبة لا يترتب عليهما أي أثر سلبي في اكتساب الحقوق والمساواة أو في الواجبات على أساس المواطنة الكاملة

مسار المقارنة
ببيان ما يتخذه العديد من النظم لدعم تمثيل الأقليات: بينما تخصيص حصص مئوية الأقليات هو ممارسة مستقرة في العديد من البلدان الديموقراطية مثل بلجيكا وهولندا وسويسرا وأسبانيا وغيرها.. ولكن السؤال هل يكفي نظام القائمة النسبية لإزالة التشوهات في تمثيل الأقباط والمرأة؟ الإجابة بالنفي. لابد من وجود ضمانات دستورية تنص صراحة على نسبة معينة كحد أدني لتمثيل الأقباط والمرأة، وهذه النسبة ستكون معيارا إجباريا مرشدا لكل الأحزاب لوضع الأقباط والمرأة في صدارة القوائم النسبية لضمان فوزهم.. وهناك العديد من الحلول الأخرى في النظم الانتخابية لتنفيذ التوجهات الدستورية بتمثيل الفئات المهمشة
ويرد المعارضون كما ورد في المؤتمر المصري 1911 بأنه إذا أريد تقليد القانون البلجيكي في تمثيل الأقليات ، فإن هذا القانون ينظم تمثيل الأقليات السياسية لا الأقليات الدينية، وأن الذي يرد الإخاء الحقيقي والمساواة الكاملة بحسب الإمكان ، لا ينبغي له أن يدعو إلى بناء كيان سياسي للأقلية الدينية ، بل يجب عليه أن يمحو الفروق الدينية تماماً من الاعتبارات السياسية ...
مسار تمييز المفاهيم
حيث يرى دعاة التمثيل النسبي للأقباط أن ثمة خلط بين التمثيل النسبي والتمثيل الطائفي بما يؤدي للاتهام بالطائفية في حين أنهما مختلفان فلتمثيل الطائفي جامد ودائم طالما ظل الوضع الطائفي كما هو، والتمثيل النسبي مرن ومؤقت ويتعلق باستخدام آليات ديموقراطية من أجل الأندماج الوطني وينتهي بانتهاء هذه المهمة. والتمثيل الطائفي ضد الديموقراطية ولهذا يمكن أن يطلق عليه "النظام الطائفى التوافقى"، والتمثيل النسبي مبدأ ديموقراطي متعارف عليه دوليا وتأخذ به الكثير من الديموقراطيات العريقة في العالم ثالثا: التمثيل الطائفي يحول الاقليات إلى كتل سياسية واحدة في مواجهة كتل طائفية أخرى، أما التمثيل النسبي فهو ضمانة دستورية لتواجد الأقليات في مختلف ألوان الطيف السياسي. رابعا: التمثيل الطائفي يؤدي إلى العزلة والتقوقع بينما التمثيل النسبى آلية للأندماج.سادسا: التمثيل الطائفي يقسم المجتمعات إلى أقلية وأغلبية طائفية أو إلى مجموعة من الكتل الطائفية في حين أن التمثيل النسبي يتماشي مع مفهوم الأغلبية والأقلية السياسية المتحركة والتي تمثل العمود الفقري للنظام الديموقراطي... إلى غير ذلك من محاولات التمييز.
المسكوت عنه في المحاورات :
الدولة الحاضر الغائب
تظل الوظائف التي توفرها الدولة المصرية هي المحور الأساسي للخلال حول التمثيل السياسي للأقباط فهذا الخلاف لا يستهدف هذا التمثيل بذاته بل ما ينطوي عليه من مزايا اقتصادية واجتماعية لقد كان موضوع الخلاف الطائفي المسيحي/ الإسلامي قبل 1919 يتعلق بالدولة المصرية، مدى تمثيلها لكل المصريين ومدى علاقتها بالدين الإسلامي. ولكن الحركة الوطنية وفرت على نفسها مخاطر الشقاق والفرقة بأن أجلت حسم مسألة الدولة ولكي نجري ا تهربوا هم من إنجازه لابد من تناول المسكوت عنه في الخطاب علينا الدولة وليس "الوطن". الدولة المصرية تعاني من تناقض مرير، فدستورها يقول أن الدولة تدين بالإسلام، ولكنه في نفس الوقت يؤكد أنها دولة كل المصريين. كيف لغير المسلمين أن يشعروا أن هذه الدولة دولتهم في الوقت الذي ترفع فيه هذه الدولة ديانة مغايرة لديانتهم، بل قل منافسة لها في تصور البعض؟ مستحيل. الحل الوحيد لتلطيف هذا التناقض، هو أن تعطي هذه الدولة الإسلامية لغير المسلمين تمثيلاُ ما بها يقنعهم بأن إسلامية الدولة لا تعني أن أبوابها مغلقة أمامهملكن باعتبار التناقض الذي ينطوي عليه لابد من تطوير رؤية لدولة مدنية ديمقراطية لكل مواطنيها .

0 Comments:

Post a Comment

Subscribe to Post Comments [Atom]

<< Home