Tuesday, April 13, 2010

المجتمع المدني واستعادة الفعالية للمجتمع
في منهج النظر ...
كل معرفة لا تنفصل عن تغيير الإنسان للواقع، وعن إبداع الإنسان لواقع جديد.. فهي ممارسة تاريخية تتبدل بتبدل التاريخ ولها تاريخها الخاص، ومعنى ذلك أنه ليس هناك حقيقة نهائية، وكل معرفة هي معرفة عابرة، وصحتها تابعة لعلاقتها الجدلية بممارسة تاريخية لا يجمدها شيء.
لا معنى للمفهوم النظري العام إلا في تمييزه، أي في اختباره على ضوء واقع محدد، والاختبار يوضح المفهوم أو يعدله وينتجه من جديد، فإعادة انتاج المفاهيم النظرية العامة، بشكل يحافظ على عموميتها، يحول النظرية إلى مزيج من الايديولوجيا واللاهوت.
ومنهج العمل...
إن الأزمات بحد ذاتها لا يمكنها أن تنتج مباشرة أحداثاً تاريخية فارقة. إنها قادرة على أن تخلق شرطاً مناسباً لنشر منهج محدد في التفكير، ووضع حل للمسائل التي تحيط بمجمل العملية اللاحقة لتطور الحياة السياسية...
أنطونيو جرامشي
اكتسب مفهوم المجتمع المدني حضوراً متزايداً في الخطاب العربي والإسلامي منذ السبعينات من القرن المنصرم، غير أنه استخدم على نحو أكثر اتساعا في العقد الأخير منه، إذ طغى المصطلح كأحد المفاهيم المستوحاة من الفكر الغربي، على معظم الخطابات السياسية العربية، وذلك بعد أن تبنت أغلب التيارات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بمختلف أيديولوجياتها وتوجهاتها، رؤية تعظم من أهمية الحراك داخل المجتمعات العربية، كمدخل رئيس لتفعيل دور المجتمع بل وإعادة الاعتبار والحيوية لهذا المجتمع إن في المشاركة أو المحاسبة أو التطوير شأنه في ذلك شأن مؤسسات الدولة الرسمية.
وقد ازداد هذا التوجه بعد انهيار نظم الحكم الشمولية في أواخر الثمانينات في شرق أوروبا وبعض دول العالم الثالث وتزايد الاتجاه نحو الديمقراطية، فبرزت الدعوة إلى المجتمع المدني كمصطلح جديد في الوطن العربي لم يكن متداولاً من قبل في الخطابات العامة أو يحظى باهتمام الباحثين . فأصبح المفهوم مثار جدل وحوار، وبسببه انقسم المشهد الثقافي والفكري العربي إلى اتجاهات عدة، فثمة من رفض فكرة المجتمع المدني كلياً، وهنالك من تقبلها بدون تحفظ، فيما قبلت اتجاهات أخرى بتحفظ، واتجاهات أخرى قبلت المجتمع المدني كفكرة ولكنها لم تدركها في كامل أبعادها الثقافية.
وفي هذا السياق فإن طرح المفهوم مجددًا جرى فى سياق السجال بين الاسلاميين والتيارت المناهضة لهم باسم الحداثة، فرأى العديد من الإسلاميين أن الشيوعيين والماركسيين ازداد تداولهم لمفهوم المجتمع المدنى بعد أن لجؤوا إليه بعد تردد نتيجة سقوط المشروع الشيوعى بسقوط الاتحاد السوفيتي، فأرادوا أن يجددوا مشروعهم السياسى ويضخوا فيه دماءً جديدة، فكانت الديمقراطية وحقوق الانسان والمجتمع المدنى هى القضايا المرشحة لضخ هذه الدماء. خاصة أن جزءًا كبيرًا منهم رأوا أن هذه القضايا هي أيديولوجية النظام الدولى الجديد، فتجاوبوا معها سريعًا. ومن ناحية أخرى فقد تم استدعاء هذا المفهوم من طرف دعاة الديمقراطية في الوطن العربي علي اختلاف اتجاهاتهم كأداة تحليلية للمأزق السياسي الذي تعيشه الدول العربية المعاصرة، وللحرب ضد النمط الشمولي لهذا النوع من الدول وللتبشير بالنموذج الليبرالي للدولة غالبًا.
وعليه يري البعض أن احتدام النقاش حول المجتمع المدني والدعوة لإعادة تفعيله تعبر عن حالة مرضية عامة لدي المثقفين العرب كانعكاس لأزمتهم الفكرية التي أدت إلى معاناة كثير منهم من مشكلة انصراف الأمة بطوائفها وفئاتها عنهم، ويربط هؤلاء الإسلاميين هذه الأزمة بالتبعية الفكرية للغرب؛ حيث ارتبطت أجندة تفكير الطائفة المتغربة من المثقفين وأولويات اهتمامها بما هو قائم في الغرب بشقيه: الرأسمالي والاشتراكي السابق ووفق هذه الرؤية فإن جزء من مثقفينا ولي وجهة شطر الغرب، فاتخذه قبلة يردد في رجع للصدي ما يتردد في الغرب من قضايا ومفاهيم وإشكالات، فإن قال الغرب ديمقراطية، قالوا: ديمقراطية، وإن قال: مجتمع مدني، قالوا: مجتمع مدني
ومن هذا المنظور فإن طرح مفهوم المجتمع المدنى جاء فى سياق البحث عند الغرب عن وصفة سحرية ستزول بها كل أسقام المجتمع العربى، وتمثلت هذه الوصفة فى السبعينات فى الديمقراطية، وتاليًا فى تفعيل دور المجتمع المدنى الذى تم ربطه بعملية التغيير الحضارى، فجرى عرض مفهوم المجتمع المدنى كمفهوم يقدم حلولاً لمجموعة من الإشكالات الموجودة فى الواقع مع المبالغة فى قيمة المفهوم وتأثيراته فى مواجهة مشاكل الواقع السياسى بكل تنوعاته، ومع إغفال عناصر القابلية للمفهوم التى غالبا ما تتحكم فى فاعليته.
فرأى البعض أنه لم يتم التعامل مع المجتمع المدنى كوصفة سحرية فقط، بل وكموضة من الموضات الفكرية الرائجة التى يجرى تسويقها بعد تعليبها وتغليفها فى اطار صناعة الأفكار والمفاهيم،ومع نقل المفهوم بشكل انتقائى تم التركيز فيه على أبعاد معينة واقتطاعها من سياقها الكلى والتاريخى، أصبح المجتمع المدنى مجالاً للاقتتال بين الفرقاء ومحورًا لتجديد عقيدة سياسية معينة ضمن شعارات الحرب العقائدية والسياسية الراهنة فى المجتمعات العربية. فأصبح مفهوم المجتمع المدنى من أهم المفاهيم السياسية المستخدمة فى الحرب ضد التيار الاسلامى وبالأخص فى مصر وتونس
ومن ثم تساءل البعض: هل تداول هذا المفهوم عربيا يحيل إلى "واقع اجتماعي" وإلى نمط من العلاقات الاجتماعية الفعلية القابلة للملاحظة والتي تعكس نقلة نوعية في الوعي وبالتالي في الممارسة؟ وهل أن تداول منطوق "المجتمع المدني" يحيل إلى مفهوم محدّد قابل للدراسة السوسيو-سياسية أي يحيل إلى قاع نظري ومجال معرفي معيّن؟...
إزاء هذه التحفظات وتلك الاتهامات ثمة حاجة لقراءة المفهوم في منشئه الأصلي وفي رحلة تطوره ، وفي ضوء ما تراكم من آراء الباحثين المهتمين به وبتطبيقاته، باعتباره مفهوماً متطورا مر برحلة طويلة اكتسب فيها أبعادًا جديدة، وجري فيها تهميش أبعاد معينة فيه لحساب أخرى حسب المرحلة التاريخية والمنظومة الفكرية التي جري تناوله في إطارها فالوعي بتاريخية المجتمع المدني يساعد على تجريده من ملابساته التاريخية العارضة علي مضمونه الجوهري، وبذلك يمكن بناء موقف أكثر تركيبًاMORE SoPHISTICATED وعمقا في النظر لمفهوم المجتمع المدني يتأسس علي حقائق التعامل المنهجي القاصد إلي الوضوح والضبط والتنظيم ويتجاوز موقفي التلقي والقبول الساذج للمفهوم وموقف الرفض الحاد له.
لم يظهر مفهوم المجتمع المدني في صورة ناجزة ونهائية تمثل جوهره الخالص مرة واحدة بل ارتبط مفهوم المجتمع المدني في الغرب بسياق تاريخي وعبر فترة طويلة ممتدة من الزمن، فظهر مفهوم المجتمع المدني من خلال تطور تاريخي طويل،
فتاريخ ظهور المجتمع المدني إذن هو تاريخ التطور الجامح للفلسفة والايديولوجية البرجوازية ورؤيتها للعالم الجديد، فضلاً عن أنه تاريخ الإعداد الايديولوجي والسياسي، والثقافي للثورة البرجوازية حيث "كانت العناصر الأساسية للتصور البرجوازي للعالم قد بزغت في أوروبا منذ القرن الرابع عشر فحملت تلك الفترة السمات الجديدة لعقلية وصبوات الطبقة البرجوازية الجديدة التي كانت قيد التكون، ففي إطار المذهب الإنساني، عارض التصور العلماني الجديد للعالم الذي تقدم به المجتمع البرجوازي الوليد، سلطة الكنيسة القوية في ظل الاقطاع بمبدأ حرية تفتح الشخصية الإنسانية، وعارض أخلاق القرون الوسطى التقشفية والمتزهدة، بالتأكيد على حق التنعم بملذات الدنيا وإشباع مختلف الحاجات والأهواء.
وقد جرى ارساء الأسس والمكونات المعرفية والنظرية للمجتمع المدني في عصر النهضة الأوروبية وفلاسفة الأنوار مع تطور الفكر السياسي الليبرالي على مدى القرنين السابع عشر والثامن عشر، الذين شهدا انهيار "النظام القديم"، أي عهد انهيار الحكم المطلق وسلطان البابا الديني والدنيوي المتحكم في ملوك أوروبا باسم سلطة الكنيسة المسيحية، وبداية الهجوم الكاسح عبر الثورات على حكم الملوك، الذين يحكمون بمقتضى الحق الإلهي وإلى بداية سلطان القانون الطبيعي، الذي يقر بحرية الفرد الإنسان باسم العقل والمنطق، فإلى سيادة الشعب، والسيادة القومية، وحقوق الإنسان، التي فجرتها الثورة البرجوازية الانكليزية، وتدعمت بشكل جذري قوى مع اندلاع الثورة البرجوازية الفرنسية.
فجاء بزوغ المجتمع المدني ملازما لوجود الدولة الحديثة وتطورها، والتي قامت على أساس إقرار حق المواطنة والمساواة القانونية للمواطنين وشرعية الحكم. وحاول كل من لوك وروسو وهغيل أن يربطوا نشوء المجتمع المدني بعملية انتقال وخروج التجمع البشري من حال إلى أخرى فقدموا الصياغات الأولى لمفهوم المجتمع المدني بوصفه كل تجمع بشري انتقل أو خرج من حالة الطبيعة الفطرية إلى الحالة المدنية التي تتمثل بوجود هيئة سياسية قائمة على اتفاق تعاقديً.
وقد ظهر مفهوم المجتمع المدني أولا عند المفكر الفرنسي توماس هوبز، الذي لم يفصله عن الدولة، إذ لم يكن يعبر إلا عن انتقال مبدأ السيادة، بمعنى القدرة أو الهيمنة أو السيطرة أو النفوذ من السماء (أي الحكم بالحق الإلهي) إلى الأرض، أي الحكم على أساس العقد الاجتماعي، رغم أن تصور الحكم الذي رافق هوبز كان ديكتاتورياً مطلقاً، وان لم ينفصل المجتمع المدني في هذه الحلقة الأولى عن المجتمع السياسي.
إن المجتمع المدني (السياسي) هو ثمرة مصطنعة لميثاق اختياري لحساب قائم على المنفعة. ويميل منهج هوبز، مثله في ذلك مثل روسو وكانط إلى نظرية العقد الاجتماعي، فنقل الحق الطبيعي المطلق، الذي يملكه كل واحد في كل شيء، إلى شخص ثالث، بعقد يتم "بين كل واحد وكل وغيره: "هو الاصطناع الذي يكون من الناس الطبيعيين مجتمعاً مدنياً (سياسياً)".
ففي حالة الطبيعة لا يوجد بعد أي نوع من أنواع الحكومات، ولهذا فإن العقد الأصلي ليس مبرماً بين الحكومة والمحكومين بل هو مبرم بين سائر مواطني المستقبل في الدولة. وعلى قاعدة ارادتهم المجتمعة، ينقل الأفراد السيادة إلى إنسان واحد أو مجلس يمارس السلطة. فيما بعد بمقتضى هذا العقد "ويمثل الملك، أو رئاسة الجمهورية، التي أحيلت إليه كل سلطات المتعاقدين إرادة الجميع من خلال إرادته. من هنا نفهم أن السلطة تنبع من الشعب باعتبارها مستندة إلى إرادة كل الأفراد الحرة. وحين تتجسد السلطة في إرادة الملك، فإن على الأفراد الخضوع كلياً لقوانينه، باعتبار إن إرادة الملك متطابقة مع إرادة الدولة.
كانت فكرة كون البشر هم صانعوا مجتمعهم في حلف أصلي يمكن أن يزدوج أحياناً إلى حلف مشترك (مدني) وحلف سيطرة (سياسي) حينئذ فكرة ثورية، تمثل في آن واحد احتجاجاً ضد الظلم القديم، وبرنامج من أجل نظام جديد (...) في هذه النظرية حول حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي، التي تبدو مجرد تأمل، نشهد نظاماً اجتماعياً وسياسياً يسقط، وأناساً يشيدون النظام الجديد الذي يريدون الدفاع عنه أو بناءه على أسس ومبادىء مبتكرة.
و يتحدد المجتمع المدني عند الفيلسوف الإنجليزي جون لوك بكونه مجالاً مستقلاً عن الدولة، منحصراً في الجماعة الأهلية، وروحها التضامنية من خلال العقد الاجتماعي، فهو يقرر بأن "البشر مستقلون، متساوون، وليس لأحد أن يلحق الأذى بهم، وبحياتهم، وبصحتهم، وبحريتهم أو ممتلكاتهم"، لقد وضع لوك نظريته في جوهر الحكم المدني كنقيض للحكم المطلق، باعتبار أن هذا الأخير لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون شرعياً، ولا يمكن أن يحظى برضى الناس عنه. ويقوم أصل الحكم المدني على الفصل بين السلطات، وهو الفصل الذي تعمق وشق طريقه في خضم الصراعات السياسية، بين الملوك والبرلمان في جميع مراحل الثورة الانكليزية. وبهذا يكون المجتمع المدني وريث الأفراد الأحرار، في حالة الطبيعة، وقد امتلك السلطتين الأساسيتين بدوره. الأولى هي السلطة التشريعية، التي تنظم كيف ينبغي أن يستخدم قوى الدولة من أجل بقاء المجتمع وبقاء أعضائه، والثانية هي السلطة التنفيذية، "التي تؤمن تنفيذ القوانين الوضعية الداخلية". وهكذا فان السلطة التشريعية، التي يكمن دورها في المحافظة على المجتمع المدني مثلها في ذلك مثل القوانين الأساسية في الطبيعة، تصبح السلطة العليا.
وعلى ذات المسار الفكري لجون لوك، سار الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو محددا المجتمع المدني بأنه "البنى الوسيطة بين الحاكم والمجتمع" ميز شارلز منتسكيو بين (كما فعل لوك) المجتمع السياسي (الذي ينظم العلاقات بين المواطنين والحكومة) والمجتمع المدني الذي ينظم العلاقات بين المواطنين، وقدم مقارنة بين هذا الكيانات وأكد على التوازن بين السلطة المركزية والشبكات الاجتماعية، حيث أن السلطة المركزية (الملك \العاهل) يسيطر بقوة القانون ويحث سلطة المنظمات المستقلة المجابهة والتي تعمل داخل وخارج البنيان السياسي.
إن الفلاسفة والمفكرين السياسيين، الذين سبقوا روسو انطلقوا من حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي، باعتبارها تشكل نقطة اللقاء المركزية فيما بينهم جميعاً، حيث شكل التعاقد الاجتماعي أيضاً جسر العبور من حالة الطبيعة إلى المجتمع المدني. فيرى الأستاذ حميد كاظم شذر أن مفهوم المجتمع المدني وفق المدرسة الكلاسيكية استعمل في الفكر الغربي، منذ زمن النهضة حتى القرن الثامن عشر، للدلالة على المجتمعات التي تجاوزت حالة الطبيعة والتي تأسست على عقد اجتماعي وحّدَ بين الأفراد وافرز الدولة، فالعبارة كانت تدل طوال هذه الفترة على المجتمع والدولة معاً. وهو يرى أن المجتمع المدني بحسب صياغاته الأولى يدل على كل مجتمع بشري خرج من حالة الفطرية إلى الحالة المدنية التي تتمثل بوجود هيئة سياسية قائمة على اتفاق تعاقدي.
ومن ثم فالمجتمع المدني يعتبر مجتمع منظم تنظيماً سياسياً، يعبر عن كل واحد ولا تمايز فيه يضم المجتمع والدولة معاً. وهو مجتمع الأحرار المستقلين، ومن ثم فان المجتمع المدني لا يعرف المراتب الاجتماعية ولا التدرج الاجتماعي، وتركيبه الداخلي لا يعرف السيطرة ولا التبعية، والعلاقات داخل المجتمع المدني ليست علاقات بين قوى اجتماعية أو طبقات اجتماعية، ولكنها علاقات بين " أحرار متساوين " .
فكان المجتمع المدني يوضع في مقابل المجتمع الطبيعي ويتطابق مع الدولة أوالمجتمع السياسي ويمكن ملاحظة أن الطابع التعاقدي لهذا المجتمع استمر سمة مميزة للمفهوم في مختلف مراحل تطوره التالية بما تثيره هذه السمة من إشكالات.
فمازال الجدل يدور حول ما إذا كانت التشكيلات القائمة على أساس الدين أو الطائفة أو الانتماء الأثني تشكل جزءا من المجتمع المدني أم ينبغي استثناؤها منه. فيرفض البعض عضويتها في المجتمع المدني بحكم القيود التي تضعها على الانتماء إليها، واقترابها، في هذا المجال، من المنظمات الإرثية، ولكونها تتناقض مع مبدأ المواطنة الذي لا يقوم على الدين أو الجنس أو العرق أو الانتماء الجهوي أوالإثني، فلا يمكن مثلاً اعتبار مجتمع القبيلة مجتمع مدنيًا لأن الانتماء إليه وإدارته وحظ الإرادة والعقل والاختيار فيه ضئيل، فهو مجتمع أقرب إلى المجتمع شبه الطبيعى كمجتمعات النحل، على حين أن المجتمع المدني هو المجتمع الذي ينتظم فيه الناس بحرية ويطاوع بعضهم بعضا على أساس القانون الذى يعبر عن إرادتهم
بل إن الأستاذ الطاهر لبيب، يقرّ صراحة بصعوبة الحديث ولو في الحد الأدني عن نواة لـنـشأة مجتـمع مدني عربي إسلامي مؤكـّـدا أنّ مفهوم المجتمع المدني عندنا بلا تاريخ فكيف نبحث عن مجتمع مدني في مجتمع ما قبل مدني".
إن الاستعمال الطارئ لمفهوم المجتمع المدني في بلادنا يعبر – من وجهة نظره - عن حالة طوارئ في الفكر العربي ولا يحيل إلى ممارسة تم تنظيرها ولا إلى تنظير واقع تم ممارسته ، حتى الدولة التي نشأ ضدها تستعمله لتحديد من هم أعضاؤه" ومن هم "خارجون عنه" .
في حين يرى آخرون أن التكوينات التقليدية هي من صلب المجتمع المدني، باعتبارها، في أحيان كثيرة، تسعى إلى التغيير والدفاع عن حقوق وتطلعات فئات واسعة في المجتمع، وتضغط على مراكز القرار، وأحيانا توجه سهامها نحو لاإنسانية السوق الرأسمالي وعجزه عن التنمية الفعلية والعادلة والمتوازنة. ومن منظور مختلف يرى البعض أن الرؤية الإسلامية تمتلك نظرة متميزة للتكوينات المؤسسية السابقة عليها أو ما يسمى بالمؤسسات التقليدية؛ حيث لم تسع الى تكسير هذه المؤسسات، بل سعت إلى إعادة تأسيسها قيمياً. فالانتماءات الأولية فى هذه الرؤية يمكن استثمارها باعتبارها المحاضن الطبيعية للفرد فالإسلام لا يقول بإلغاء رابطة العشيرة أو القرية إنما قرر تنظيمها ووضع حدودها بالنسبة لموقعها فيما يتعلق بالروابط الأدنى والأعلى منها، ضمن التحديد الكلى الذى ترعاه رابطة الاسلام التوحيدية ولا يتناقض هذا مع فكرة التعاقدية و مع ما تتضمنه من طوعية؛ فهذه الانتماءات والروابط وان كانت لا تقوم على الاختيار فى تأسيسها فإنها تقوم على الطوعية فى ممارستها وأنشطتها .
وإذا كان المجتمع المدني قد تحدد قبل الفيلسوف الألماني فردريك هيغل على أنه طرف آخر في مقابل سلطة الكنيسة وسلطة الحكم الاستبدادي وفإنه مع فردريك هيغل بات يعني "مرحلة بين الرابطة الأسرية القائمة على القرابة والتبعية المباشرة وبين الدولة الممثلة للمصلحة العامة".
التمييز بين المجتمعيْن السياسي والمدني يعود أساسا إلى هيغل الذي اعتبر أن المجتمع المدني ليس هو الدولة إلا أنه وبشكل مفارق لا يمكن أن يتجسّد إلا من خلالها. فالعلاقة بينهما علاقة وحدة معقدة من الصراع والتكامل. إنه مجتمع يقترن عند هيغل بدلالات الفردانية والضرورة ويحيل إلى جملة التجمّعات المهنية والحرفية والأسرية الضيّقة التي ليس بإمكانها تحقيق حريتها وإرادتها إلا في ظلّ دولة راعية مطلقة تحميها. فمن المعلوم أنّ هيغل قد نظر إلى المجتمع في توزّعه إلى دوائر ثلاث لكلّ دائرة خاصيتها المميّزة والمعيار الذي يحكمها، فدائرة العائلة محكومة بقيمة الحبّ الذي يشدّ أفرادها بعضهم إلى بعض. أمّا دائرة المجتمع المدني فتسود داخلها قيمة التنافس الاقتصادي بين أفراد متباعدين. في حين أن دائرة المجتمع السياسي(الدولة) محكومة بقيم العقلانية التي توجّه سلوك الأفراد. لكنّ الأهم هو أن هيغل نظر إلي المجتمع المدني باعتباره "وحدة عاجزة" تحتاج بشكل مستمرّ إلى الرقابة من قِبَلِ الدولة ذات "اليد الطولى".
إن الدولة السياسية، من وجهة نظر هيجل ، لا توجد بدون الأساس الطبيعي، الأسرة، والأساس الاصطناعي، المجتمع المدني. ففي داخل الدولة تتطور الأسرة إلى مجتمع مدني، ويتطور بدوره لكي يكون الأساس الاصطناعي للدولة السياسية. فالدولة السياسية تشترط في وجودها الضروري والمنطقي، وجود المجتمع المدني، والأسرة، فالأسرة لا تذوب في المجتمع المدني، مثلما لا يذوب المجتمع المدني في الدولة. فهيغل يقول، إن المجتمع المدني هو "دولة الضرورة والفهم، فهو يتطابق مع لحظة الذاتية.
تمثل تعرف هيغل للمجتمع المدني في تحليله الدقيق للنقابات المهنية، والشركات، وللجمعيات، والمجتمعات المحلية، والطبقات الاجتماعية، والقوى السياسية، والمؤسسات التي شكلت أساس المجتمع المدني" وعلى العموم كان رأي هيغل في المجتمع المدني يتضمن مبدأ سليماً وهو أنه عندما ينظر إلى الفرد على أنه مواطن فحسب، تميل الدولة إلى امتصاص كل أشكال الاجتماع البشري بما يعبر عن نزعة الاستبداد، كما تثبت ذلك كل أشكال الدكتاتورية السياسية. ولعل حجج أنصار مذهب التعددية السياسية في نهاية القرن التاسع عشر كان في الإمكان استخلاصها إلى حد كبير من نظرية هيغل في المجتمع المدني.
وهكذا، فإن المجتمع المدني حسب رأي هيغل، الذي يمثل فضاء للمنافسات والمواجهات بين المصالح الاقتصادية الذرية الخاصة للأفراد، باعتبارها سمة مميزة للاقتصاد البرجوازي، يحتاج إلى دولة سياسية قوية، شمولية وعيانية، منفصلة على طوائف الحرف من طراز القرون الوسطى، وتعلو فوق المجتمع المدني. إن هيغل، وهو إن كان يريد السلطة التشريعية بالمعنى الحديث، إلا أنه يربطها بنظام دولة الطوائف الوسيط، لفرض النظام والتعددية، على المجتمع المدني.
كان مفهوم المجتمع المدني من المفاهيم الأولى التي تناولها ماركس عام 1843 في نقده حقوق الدولة في " الرؤية الهيجلية "، وهدف في نقده إضفاء محتوى مادي أكثر على المفهوم ونشره باعتباره مفهوما ثوريا وليس مجرد مفهوم فلسفي. فالمجتمع المدني هو الفضاء الذي يتحرك فيه الإنسان ويدافع عن مصالحه الشخصية ويضع مقابل ذلك الدولة التي لا تمثل في نظره إلا فضاء بيروقراطيا يتحول فيه الإنسان إلى عضو ضمن جماعة مسيرة.
وكان موقف ماركس فعلا في ذلك قريبا من موقف هيغل تجاه المجتمع المدني باعتباره ساحة المواجهات بين المصالح الاقتصادية طبقا للأخلاق البرجوازية ولكن تأويل ماركس لهيغل ينتهي إلى نتيجة مضادة حيث انتقد ماركس فكرة الدولة عند هيغل.
ولئن تبنّى ماركس التعريف الهيغلي للمجتمع المدني فإنّ نمط العلاقة بين المجتمع المدني والدولة بدا مغايرا في تصوّر ماركس. وربّما يعود ذلك في المقام الأول إلى الحضور المكثف لمفهوم الصراع الطبقي الذي هيمن على التحليل السوسيوتاريخي للماركسية بحيث "همّش الصّراعُ الطبقيُّ مفهومَ المجتمعِ المدنيِّ".
ويرى د.عامر حسن فياض أن تفسير عدول ماركس اللاحق عن استخدام مفهوم المجتمع المدني واستبداله بمفهوم المجتمع البرجوازي في دراسته للاقتصاد الرأسمالي يمكن تلمسه وملاحظته في تأكيد ماركس على أن المجتمع المدني لا يمكن أن يبحث إلا في الاقتصاد السياسي بيد أن التطورات اللاحقة على ما كتبه كارل ماركس قد بينت أن المجتمع المدني يمثل فضاءً للتنافس والصراع بمختلف أشكاله إن الاقتصادية، أو السياسية أو الإيديولوجية أو الثقافية بين الطبقات والفئات الاجتماعية كافة.
أعْجِبَ المفكر والديبلوماسي الفرنسي TOCQUEVILLE إلى حدّ الافتتان بالقدرات الواسعة للمجتمع الأمريكي على خلق الجمعيات في مختلف مناحي الحياة. فلقد تبيّن لتوكفل TOCQUEVILLE أن الأمريكيين يتفنّنون في بعث الجمعيات التي تلعب دور الإطار الذي يسمح بالتعاضد بين الناس من أجل تحقيق أهداف مشتركة على خلاف الفرنسيين مثلا الذين ينتظرون تدخّل الدولة لتحقيق هذه الأهداف أو الإنكليز الذين ينتظرون تدخّل الرّجل الإقطاعيّ من أجل الأهداف نفسها. فالجمعيات، طبقا لما لاحظه ودوّنه TOCQUEVILLE في مؤلفه عن الديمقراطية في أمريكا هي إطار الفعل والمبادرة حتى الثقافية والأخلاقية، حيث يؤكد في هذا المضمار أنّ فنّ إنشاء الجمعيات في البلدان الديمقراطية هو أب التقدّم، إذ أن التقدّم في كلّ المجالات منوط به. فالبلدان الأكثر ديمقراطية هي البلدان التي يجيد فيها الناس فنّ السعي الجماعي نحو تحقيق الرغبات المشتركة على اعتبار وجود علاقة تلازم بين الجمعيات والمساواة. لا بل إن هذا الأخير يذهب أكثر من ذلك حين يعتبر أن فنّ الانتظام ضمن الجمعيات مؤشر تحضّر وأنه فنّ يتنامى بالتوازي مع تنامي شروط المساواة، وأن كل تقدّم في أي مجال هو رهين دفع العمل الجمعياتي.
وبحثا عن المبرّرات الموضوعية التي يمكن أن تساهم في تفسير هذا النزوع نحو الإعجاب بالممارسة الجمعياتية داخل هذا المجتمع وجدها TOCQUEVILLE في آثار الثورة الديمقراطية وما أرسته من تعلـّق بالمساواة ورفض نزوعات الهيمنة لدى الدولة ومنع الناس من ممارسة حرّياتهم. فبعث الجمعيات الفاعلة تمثل إحدى الآليات الضرورية، إلى جانب مبدإ الفصل بين السلط كما أكد عليه مونتسكيو طبعا،التي تمنع الدولة من ممارسة تجاوزات في حق المواطن وحرّياته. فللحدّ من مطلقية سلطة ما لا بدّ من وجود سلطة مكافئة لها.
فكان الكسندر دو توكفيل ممن أكدوا على أن المجتمع المدني هو هيئة أو كيان في ذاته منفصل عن الدولة وأكد على أن مهمة المجتمع المدني هي حماية الأفراد وحقوقهم وممتلكاتهم من الدولة وتدخلاتهم التحكمية.
أما جرامشي فقد نظر إلى المجتمع المدني باعتباره جزءا من البنية الفوقية. هذه البنية تنقسم إلى مجتمع مدني ومجتمع سياسي، الأول وظيفته الهيمنة عن طريق الثقافة والايدولوجيا، ووظيفة الثاني السيطرة والإكراه. أي أن مفهوم المجتمع المدني عند غرامشي ليس مجالاً للتنافس الاقتصادي بل مجالاً للتنافس الإيديولوجي . ذلك أن المجتمع المدني عند غرامشي يشكل مع الدولة ما يعرف بالمنظومة السياسية في المجتمع. ويسميها غرامشي ذاته بـ" الدولة الموسعة أي منظومة سياسية بشقيها المدني والسياسي. وبهذا المعنى يقول غرامشي : "إن الدولة هي المجتمع السياسي زائد المجتمع المدني"، بينما يحتوي المجتمع المدني على التنظيم السياسي للمجتمع بأحزابه ونقاباته وتياراته السياسية، فان الدولة تحتكر السلطة السياسية عبر أجهزتها ومؤسساتها المختلفة. وبهذا المعنى تكون العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي علاقة جدلية. فيمكن للمجتمع المدني أن يكون مسانداً للدولة أو معارضاً لها. ففي الحالة الأولى يشكل المجتمع المدني مصدر الشرعية لسلطة الدولة عبر مشاركة منظمات المجتمع وفئاته المختلفة في صنع القرار. أما في الحالة الثانية التي تتصدى الدولة بجهازها ومؤسساتها القمعية لكل أشكال الاضطراب والثورة، تبدو الدولة وكأن المجتمع هو الذي وجد من اجلها لا العكس.
فاعتبر جرامشي أن المجتمع المدني يمثل مجالا يضمّ في إطاره المؤسسات الخاصة والحرّة من مثل المدارس والكنائس والنقابات... وتهيمن الدولة بالمعنى الواسع على هذا "الجسم االتعددي"، فإلى جانب كونها جهاز قمع، تهيمن الدولة على مؤسسات متنوعة تفصح عبرها الدولة عن وجودها وهي مؤسسات تتمتع بهامش من الحرية وتساهم في تكريس الايديولوجيا السائدة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا... بحيث تنجح هذه الدولة في ممارسة هيمنتها الإيديولوجية والسياسية ذلك أن الدولة حسب التصوّر الهيغلي هي فكرة مدنية تعاقدية قائمة على مؤسسات هي مؤسسات المجتمع المدني الذي يعدّ بمثابة الرحم الملائم لتنمية النخب والكفاءات.
وإيجازاً فإن المجتمع المدني يمثل المضمون الأخلاقي للدولة، وهو نمط من التنظيم يميل إلى التعدّد وفي إطاره تتحقق دينامية الخلق والتغيير في المجتمعات.
وفيما يتعلق بالمفهوم المعاصر للمجتمع المدني فإن رؤية هابرماس تعد خير منطلق لفهم التعريفات المعاصرة للمجتمع المدني وهى رؤية تقوم على تقسيم المجتمع إلى أربعة مكونات هي الدولة ( السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية) والمجال الخاص (العائلة وجماعات الرفاق) ومجال السوق بما يشمله من عمليات تشارك في عمليات الإنتاج وتستهدف الربح والمجال العام (التنظيمات الطوعية من أحزاب ونقابات واتحادات وحركات اجتماعية وكيانات). ومن هذه الرؤية يذهب كاروثارز إلى أن المجتمع المدني هو مفهوم واسع النطاق يشتمل على كل التنظيمات والروابط التي توجد خارج إطار الدولة وخارج إطار السوق بما فيها الأحزاب السياسية دينية.
ويعرِّف قاموس أكسفورد الوجيز المجتمع المدني بأنه "مجموعة من الروابط (التجمعات) الوسيطة التي تقع بين الدولة والأسرة الممتدة، والتي يقوم الارتباط فيها على الانتماء الطوعي". ويمكن تلمس اشتقاق تعريف المجتمع المدني في قاموس أكسفورد الوجيز من التعريف الذي وضعه فردريك هيغل والذي يعد من أكثر التعريفات الرائجة والمعتمدة بين الباحثين .
أما دياموند فيرى : أن المجتمع المدني يمثل وسطا ما بين المجال الخاص والدولة مستبعدا العائلة والفرد والمشروعات الفردية الهادفة إلى الربح والأحزاب السياسية بوصف أنها تسعى للوصول إلى السلطة ومن ثم تصبح مرتبطة بالدولة.
وعلى الرغم من أنه في الغالب لا يوجد تعريف متفق علية عموما، إلا أن المجتمع المدني هو جزء ومجال الأفعال التطوعية الجماعية. وثمة من يرى المجتمع المدني باعتباره مصطلح واسع يشمل ما يلي : المنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية، والجماعات الدينية، والجمعيات المهنية الحركات الاجتماعية والمنظمات الجماهيرية، والمجتمعات المحلية والمواطنين بالعمل معا بصورة جماعية وفردية.

فيما يعرف والزر المجتمع المدني : بأنه الفضاء الذي يشتمل على ضمانة كافة الظروف التي تكفل الحياة الاجتماعية الجيدة فهو المجال الذي ٌيكون البشر في إطاره شكلا اجتماعيا يتواصلون فيه ويترابطون ببعضهم البعض سواء كان هذا الشكل جماعة أو قبيلة أو نقابة أو رابطة أو دين.
وهناك اتجاهات ترى أن المجتمع المدني يمثل مجموعات غير رسمية منظمة في مجال معين. مثال الجماعات التي تنشا للضغط على الحكومة المحلية إزاء قضية خاصة، وهذه المجموعات تكون أكثر مرونة، وتختفي بعد فترة لتنشا الجماعات كرد فعل فوري نتيجة للظرف التي تنشا من اجلها.
وفي رأي غويلرمو اودونيل وفيليب شميتر يبرز المجتمع المدني مع انبعاث المجال العام. وفي الدولة التسلطية الفاعلة يحاول النظام الحاكم توجيه معظم رعاياه نحو أهداف خاصة ذات طابع حصري. وعندما يأخذ الأفراد والجماعات في تحدي الخطوط المرسومة للسلوك المسموح به مثل المجاهرة بالتهجم على النظام أو المطالبة باستجابة حكومية للاحتياجات الاجتماعية يبدأ المجتمع المدني في التشكل.
لقد توسعت حدود المجتمع المدني كما يلاحظ هابرماس لتشمل من ناحية عملية نشاط جمعياتي بعيد عن العنف بين المواطنين كأفراد من جانب والدولة من جانب أخر. وبهذا التصور للمجتمع المدني كعنصر متوسط أثبت المجال العام المستقل ذاتيا قدرته على البقاء، وتركز الكثير من الاهتمام على تعيين حدود المجتمع المدني. ومن الأمثلة النموذجية على ذلك تصور ادوارد شيلز الذي يقول : " إن فكرة المجتمع المدني هي فكرة جزء من المجتمع المدني الذي يتمتع بنوع من الحياة خاص به ويختلف اختلافا بينا عن الدولة، كما أنه مستقل عنها إلى حد بعيد. ويقع المجتمع المدني وراء حدود الأسرة والعشيرة والمكان لكنه يقصر عن حدود الدولة ". أما بالنسبة إلى للاري دياموند فالمجتمع المدني هو " مجال الحياة الاجتماعية المنظمة الطوعية المتولدة بذاتها والكتفية ذاتيا، والمستقلة عن الدولة والمرتبطة بنظام قانوني أو مجموعة من القواعد المشتركة".
وهناك اتجاه يعتبر أن المجتمع المدني قطاع قائم بذاته. ومع ذلك فإن هناك من يرى أن قطاع الأعمال هو جزء من المجتمع المدني فضلا عن كونه قطاع قائم بذاته . وهناك اتجاه مختلف يؤكد على أن المجتمع المدني ليس قطاع قائم بذاته ولكنة يمثل " حزب " يجمع بين " القطاعات الاجتماعية "، التي تنتمي إلى قطاعات محددة، لكنها تتفاعل في إطار المجتمع المدني. ويمكن تلخيص تعريفات الاتجاهين للمجتمع المدني في التعريفات التالية:
- أن المجتمع المدني هو قطاع الفعل التطوعى في شكل مؤسساتي، والتي تتميز عن مؤسسات الدولة والأسرة والسوق، وفى نطاق الممارسة، فإن حدود هذه القطاعات أحيانا تكون معقدة وممتزجة مع بعضها.
- أن المجتمع المدني يحتوى على مجموعات كبيرة ومتنوعة من المنظمات التطوعية غالبا ما تتنافس مع بعضها البعض، وتتواجد لتحقيق اهتمامات محددة، وهى تضمن وتشتمل على ممثلين من غير الدول أو الحكومات، وإنما هي مؤسسات وهيئات غير حكومية، لا تدفعها الاهتمامات والأهداف اقتصادية (تحقيق ربح) أو مصالح شخصية أو خاصة، وهي غالبا منظمات وتتفاعل مع الجمهور.
- المجتمع المدني مستقل عن الدولة ولكنه يتفاعل مع الدولة بشكل ملاصق في كافة المجالات سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية.
- بالرغم من تفاعل المجتمع المدني مع قطاعات أخرى متعلقة بالدولة، إلا انه يهدف إلى تحسين فعاليتهم واستجاباتهم.
- أن أدوار المجتمع المدني متنوعة، معقدة.

وفيما يتعلق بالمجتمع المدني العالمي فيمكن أن يعرف بأنه يشمل جميع الجمعيات، باستثناء الحكومات، الجهات الفاعلة في القطاع الخاص والأسر، التي تعمل عبر الحدود الوطنية، وقد سهلت عملية العولمة بما توفره من سهولة السفر والاتصال عبر الحدود، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الوصول إلى المعلومات. هذه العمليات المختلفة قد مكنت مجموعات التعاون وتنسيق أنشطتها عبر الحدود الوطنية، وذلك في ظل ظهور 'القضايا العالمية' ومثل قضايا تغير المناخ.
جاء التعرف على مفهوم المجتمع المدني عبر الاهتمام المتزايد الذي لاقته مؤلفات غرامشي في المنطقة العربية بعد السبعينات، بيد أن " الاهتمام بمفهوم المجتمع المدني بدأ يتسرب إلى الفكر العربي المعاصر بدءاً من ثمانينيات القرن العشرين خصوصاً في أقطار المغرب العربي، حيث نوقش هذا المفهوم بغرض التفكير في ظروف التحول من الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية لاسيما في تونس والجزائر ".
ويمكن رصد استخدام مفهوم المجتمع المدني بالمعنى الغرامشي، في فصول كتاب " الفلسفة الاجتماعية " للدكتور غانم هنا، الذي ركز اهتمامه على تقصي الفرق بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وحدد فيه مكونات المجتمع المدني وخصوصية الفهم الغرامشي له من منظور الفلسفة النقدية.
وعليه كان وضع المجتمع المدني إزاء الدولة و فهم المجتمع المدني كساحة للمواجهة الأيديولوجية مع الدولة الذي عنى تعميق ثنائية المجتمع والدولة و إيجاد علاقة تنافر واستبعاد بينها نتيجة اعتماد مفهوم ذي بعد واحد معزول عن سياق محدد تاريخيا ومجتمعيا. فتتجاهل هذه الرؤية حقيقة أنه لا مضمون للمجتمع المدني بدون حضور الدولة وتختزل هذه الرؤية الدولة إلى الحكومة (السلطة التنفيذية)، متجاهلة غياب أو حضور كل من السلطتين التشريعية والقضائية، كما تنظر للدولة كجسم متجانس وموحد دون توترات وصراعات وتباينات وللمجتمع كجسم موحد متناسق الوظائف والمهام دون توترات وصراعات وانقسامات.
ومن ثم لابد من التعامل مع مفهوم المجتمع المدني كمفهوم نسبي وليس كمفهوم مطلق في الزمان والمكان، فمفهوم المجتم المدني مفهوم متطور مر برحلة طويلة اكتسب فيها أبعادًا جديدة، وجري فيها تهميش أبعاد معينة فيه لحساب أخرى حسب المرحلة التاريخية والمنظومة الفكرية التي جري تناوله في إطارها
وفي هذا الصدد يلاحظ المفكر العربي محمد عابد الجابري أن المعطيات الاجتماعية هي بطبيعتها زمانية ومكانية، أي تختلف من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر. وهكذا فإذا كان "المجتمع المدني" هو، بالتعريف، مجتمع المدن، فإن ما يحدد وضعه ومكوناته في زمان ومكان معينين هو ما يشكل "الضد" له، (استنادا إلى العبارة المأثورة : "بضدها تتميز الأشياء"). و"أضداد" المجتمع المدني ليست محصورة ولا ثابتة فهي تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن ظرف إلى ظرف، مكانا وزمانا. فعندما ظهر مفهوم "المجتمع المدني" المدني في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر كان "الضد" الذي به يتحدد ويتميز في أذهان مستعمليه هو الكنيسة التي كانت تشكل مجتمعا مستقلا متميزا ودولة داخل الدولة. وفي الحقيقة كان مفهوم المجتمع المدني سلاحا ضد الكنيسة كمفهوم، وبديلا عنها كمشروع. وعندما انسحبت الكنيسة كمنافس للدولة وصارت الدولة وحدها الحقيقة المهيمنة اتخذ مفهوم المجتمع المدني معنى آخر إذ أصبح هذه المرة يتحدد بـ"ضده" الجديد، وصار شعارا يرفع في وجه شمولية الدولة،.. ومن هنا مفهوم "دولة المؤسسات"، ليس المؤسسات الإدارية والسياسية فحسب، بل المؤسسات التجارية والنقابية والصناعية الخ.
فالعودة إلي التجربة التاريخية الغربية يجب أن تقترن بوعي تاريخي لمسار التجربة حتي اللحظة الراهنة، أما الاكتفاء برصد مفهوم المجتمع المدني في نصوص "جرامشي" فيعني استعارة مفاهيم وتجميدها في زمن غير زمنها مع ما يترتب علي ذالك من التباسات تتصل بدعوة قطاعات من النخبة العربية الي القطيعة مع الدين بحجة العمل علي قيام مجتمع مدني في البلاد العربية، في حين أنها تستعدي بذلك مجتمعاتها وتعمق الشرخ بينها وبين شعبها
فمع إغفال هذه الصيرورة التاريخية جرى نقل المفهوم من الخبرة الغربية في صورته في مرحلة تاريخية معينة، بما لذلك من تداعيات سلبية فتم نقل صورة المجتمع المدني التي نشأت في حالة نقض للطابع الديني للدولة وللسياسة، وهي صورة لم تعد صالحة لفهم صورة المجتمع المدني المتشكل مع التحولات العالمية التي قام الدين في ظلها بدور أساسي - في دول الاتحاد السوفيتي السابق - في مناهضة المجتمع لسلطات الدولة وأجهزتها البيروقراطية والحزبية، بل يمكن ملاحظة في تحركات البابا ومواقف كنائس أمريكا اللاتينية، وبعض وسائل الاعلام الكاثوليكي كمجلة ETUDES"" الفرنسية ما يشير الي عودة المسيحية كعامل محرك للمجتمع باتجاه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان والتصدي للقهر الاجتماعي والطبقي.
كما أن وضع المدني في مقابل الديني كان له تداعياته السلبية على قيام المجتمع المدني بأهدافه؛ فالعلمانية - على سبيل المثال- ان كانت قد حررت الفرد من سلطة الكنيسة، فإنها فى عمقها فكرة مناهضة للمجتمع المدنى
فالحس المدنى عندما يتعمق يكون هو أساس القانون الذى يحترم كما يقول "كانت" انطلاقا من احترام الخير لذاته؛ إذ ينبغى أن يعامل المرء الناس وكأن كل واحد منهم يحمل مثلًا للإنسانية فى ذاته، إلا إن العلمانية لاتدعم هذه الفكرة، فالعلمانية تجعل الدنيا هى البداية والنهاية (إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا)
وعليه لا يلتزم الأفراد بفعل الواجب والخير إلا عندما يجلب منفعة مادية آنية أو دفعا لضرر آنى، الأمر الذى يضاد فكرة التطوعية والغيرية المتطلبة لازدهار المجتمع المدنى، وإلا فأى نفع أجنيه عندما أضحى بملذاتى وأتبرع بأموالى للمجتمع؟! بعبارة أخرى فإنه بقدر ماتتسع فرص الحياة ولا تفتصر على هذا الحيز المحدود فى الدنيا، بقدر ما تتاسس فى المجتمع أخلاقيات المدنية، أى تزداد فرص التضحية والتحرر من الأنانية المركوزة فى طبيعة كل إنسان، وعلى قدر هذا التحرر يزدهر العمل الطوعى فى المجتمع هذا العمل الطوعي الذي يمثل أساس ازدهار المجتمع المدنى عدلاً واستغناءً عن السلطة.
والعلمانية بفصلها القيم وكل ماهو مطلق عن العالم هى فى المحصلة النهائية ضد المجتمع المدنى، بل هى موت الإنسانلانها ضد الغيرية بينما المدنية هى الغيرية ،وهى الإيثار، فهى ثمرة لتصعيد الدوافع والاستعلاء الخلقى والروحى والجمالى. صحيح أن العلمانية حررت العقل الغربى إلى حد كبير من الأساطير والأوهام، ومن تسلط الكنيسة وديكتاتورية الإقطاع، وإعادت للنشاط الدنبوى اعتباره، ونادت بالانسان مركزًا للكون، وبالسيادة الشعبية، وأسست الحداثة، إلا إنها فى الوقت نفسه كان لها آثارها السلبية على المجتمعات الغربية من خلال تهميشها للدين وتفكيكها القديم دون تبصر وإعلائها من شأن القيم المادية، فساهمت إلى حد كبير فى تفجير النزاعات الأنانية والاندفاع المحموم نحو الربح والإشباع الغريزى ونزعات السيطرة الفردية ومركزية الدولة التى لا يمكن إلا أن تنتج الاستبداد، فقد انتهت حركة العلمنة والحداثة فى المحصلة الى التسلط والاستبداد.
لذلك سعى العديد من المثقفين والأكاديميين العرب على بلورة مفهوم بديل للمجتمع المدني بالجمع بين عناصر المفهوم جمعًا متفاعلاً تتسق فيه العناصر، وتتحد فيه العلاقة بين الثوابت والمتغيرات في منظومة تأبي علي التناقض، ولا تتصف بالغموض، ولا تؤول إلي الفوضي في الاستخدام، وتعتمد هذه الصياغة علي تحويل المفهوم إلي مجموعة من الظواهر والشروط الجوهرية المتضمنة فيه.
ويمكن اجمالي هذه الظواهر والعناصر والشروط في:
* الطوعية باعتبارها إحدي الأفكار التي تشير إلي مجموعة من الظواهر المهمة في تكوين التشكيلات الاجتماعية.
* المؤسسية وفكرة المؤسسات الوسطية التي تشير الي ضرورة توظيفها في سياق العلاقة السياسية والعلاقة الاجتماعية.
* أما العنصر الثالث فيتعلق بالغاية والدور، فهذه التكوينات المؤسسية يجب أن تتسم وفق شروط مفهوم المجتمع المدني بالاستقلال عن السلطه السياسية
وتمثل هذه العناصر الحد الأدنى للمفهوم والتي يمكن انطلاقاً منها صياغة رؤى قد تتنوع أثراً لتنوع وجهات النظر دون أن تتضارب أو تتناقض ومن هذه الصياغات تعريف الدكتور سعد الدين إبراهيم للمجتمع المدني بأنه: مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة، التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفردها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف . وللمجتمع المدني عناصر يمكن إيجازها فيما يلي:
أ- إن المجتمع المدني رابطة طوعية يدخلها الأفراد باختيارهم .
ب- يتكون المجتمع المدني من مجموعة من التنظيمات والروابط في عدة مجالات كالمؤسسات الإنتاجية والدينية والتعليمية والاتحادات المهنية والنقابات العمالية والأحزاب السياسية
جـ- المجتمع المدني يعد مجتمع الاختلاف والتنوع والالتزام بإدارة الاختلاف داخل وبين قطاعاته المختلفة بالوسائل السلمية المتحضرة، وهو مجتمع يرتكز على قيم الاحترام والتعاون والتسامح .
د- للمجتمع المدني امتدادات خارج حدوده، تتمثل في توسع مؤسساته وانتقال فعالياتها إلى مجتمعات أخرى. وتتبلور هذه العناصر بصورة جلية بـ" التجربة المقياس".
وفي معرض تعريفه للمجتمع المدني يشير الدكتور عامر حسن فياض إلى إن المجتمع المدني يعبر عن : " جملة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة منها، أغراض سياسية كالمشاركة في صنع القرار على المستوى الوطني، ومثل ذلك الأحزاب. ومنها أغراض نقابية كالدفاع عن المصالح الاقتصادية لأعضاء النقابة، ومنها أغراض مهنية كما هو الحال في النقابات للارتفاع بمستوى المهنة والدفاع عن مصالح أعضائها. ومنها أغراض ثقافية كما في اتحادات الكتاب والمثقفين والجمعيات الثقافية التي تهدف إلى نشر الوعي الثقافي وفقاً لاتجاهات أعضاء كل جمعية. ومنها أغراض اجتماعية للإسهام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية. ومن الأمثلة البارزة لمؤسسات المجتمع المدني هي: الأحزاب السياسية، النقابات العمالية، النقابات المهنية، الجمعيات الاجتماعية والثقافية " ويبين التحليل النقدي للتعريف الإجرائي السابق الذكر، أن جوهر المجتمع المدني ينطوي على أربع عناصر رئيسية هي :
ـ العنصر الأول ويتمثل بفكرة التطوعية التي تميز تكوينات المجتمع المدني عن باقي التكوينات الاجتماعية المفروضة تحت أي اعتبار.
ـ العنصر الثاني ويشير إلى فكرة المؤسسية التي تستغرق مجمل الحياة الحضارية تقريباً، والتي تشمل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ـ العنصر الثالث ويتعلق بفكره الغاية والدور، الذي تقوم به هذه التنظيمات والأهمية الكبرى لاستقلالها عن السلطة السياسية وعن هيمنة الدولة من حيث هي تنظيمات اجتماعية مستقلة تعمل في سياق روابط تشير إلى علاقات التماسك والتضامن الاجتماعيين.
ـ العنصر الرابع ويكمن في ضرورة النظر إلى مفهوم المجتمع المدني بوصفه جزءاً من منظومة مرتبطة به تشتمل على مفاهيم مثل. المواطنة، حقوق الإنسان، التنمية، المشاركة السياسية الشرعية..الخ .
الدكتور حسنين توفيق يرى أن مفهوم المجتمع المدني أنه : مجموعة من الأبنية السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية تنتظم في إطارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع، ويحدث ذلك بصورة ديناميكية ومستمرة خلال مجموعة من المؤسسات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلالية عن الدولة .
وقد استقر الرأي من خلال الدراسات الأكاديمية والميدانية والمتابعة التاريخية لنشأته وتطوره أن المجتمع المدني هو "مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها"هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها أو لتقديم خدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضى والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف.
ويفرق الدكتور عبد الغفار شكر بين مفاهيم المجتمع، المجتمع السياسي، المجتمع المدني. بقوله أن : المجتمع هو الإطار الأشمل الذي يحتوى البشر وينظم العلاقة بينهم في إطار اقتصادي اجتماعي محدد ويتطور من خلال علاقة فئاته ببعضها وصراعاتها. في حين أن المجتمع السياسي هو مجتمع الدولة الذي يتكون من الدولة وأجهزتها والتنظيمات والأحزاب السياسية التي تسعى للسيطرة عليها أو الضغط عليها. والمجتمع المدني هو الأفراد والهيئات غير الرسمية بصفتها عناصر فاعلة في معظم المجالات التربوية والاقتصادية والعائلية والصحية والثقافية والخيرية وغيرها.
ويتكون المجتمع المدني حسب رؤيته من الهيئات التي تسمى في علم الاجتماع بالمؤسسات الثانوية مثل الجمعيات الأهلية والنقابات العمالية والمهنية وشركات الأعمال والغرف التجارية والصناعية وما شابهها من المؤسسات التطوعية. وهكذا يستبعد من المفهوم المؤسسات الاجتماعية الأولية كالأسرة والقبيلة والعشيرة والطائفة الإثنية أو المذهبية أو الدينية. كما يستبعد منه المؤسسات السياسية والحكومية، ويبقى بذلك في نطاق المجتمع المدني المؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي يقوم نشاطها على العمل التطوعى.
وهناك أكثر من تعريف ومفهوم للمجتمع المدني يقول د.عزمي بشارة : "المجتمع المدني هو نتاج الديمقراطية وليس قاعدتها" ويقول أيضا "لا شك أن اللامساواة الحادة اجتماعيا لا تسمح بمشاركة سياسية أو اجتماعية فاعلة عوضا عن ذلك مجتمع مدني نخبوي، أي مناقضا لذاته لآن مدنيته لا تقوم على المواطنة، وإنما على الموقع الطبقي، ولذلك "فإن مرحلة تشييد المجتمع المدني في عالمنا العربي اليوم، تعني تحقيق الديمقراطية، إذ لا يجوز أن نقفز عن المراحل الضرورية مثل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من أجل تحقيق مفهوم معاصر للمجتمع المدني".
ويقول د.محمد عابد الجابري "أن المجتمع المدني هو المجتمع الديمقراطي الذي تتوفر فيه حقوق المواطن والتعددية واستقلال القضاء". ويرى الجبري أنه إذا كان من الجائز، أو حتى من الطبيعي أو الضروري، أن يختلف الباحثون حول تعريف المجتمع المدني، فإن هناك واقعة أساسية وبديهية لا يمكن أن تكون موضوع خلاف، وهي أن المجتمع المدني هو، أولا وقبل كل شيء، مجتمع المدن، وأن مؤسساته هي تلك التي ينشئها الناس بينهم لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وذلك على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي القروي التي تتميز بكونها مؤسسات طبيعية، يولد الفرد منتميا إليها مندمجا فيها، لا يستطيع الانسحاب منها، مثل القبيلة والطائفة.
أما عبد القادر الزغل فيعرف المجتمع المدني بأنه "مطلب البرجوازية في مرحلة التحول الكبير لأوروبا الذي كانت تدعمه الأيديولوجية الليبرالية، وأنه مفهوم وقع في القرن الثامن عشر لمجابهة التراث الاستبدادي للدولة الأوروبية"
هذا فيما تبنت ندوة المجتمع المدني التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في 1992 تبنت تعريفا للمجتمع المدني على أنه يقصد به " المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستقلة عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة كالمشاركة في صنع القرار السياسي على المستوى الوطني عبر الأحزاب السياسية، والدفاع عن مصالح العمل النقابي والمساهمة في العمل الاجتماعي والتنمية إلى جانب نشر الوعي الثقافي …"
وهناك تعريفات أخرى تتفق على أن المجتمع المدني هو " المجتمع الذي يقوم فيه النظام السياسي أو سلطة الدولة نتيجة اتفاق أفراد هذا المجتمع بإرادتهم الحرة" أو هو "المجتمع الذي تقوم فيه دولة المؤسسات الديمقراطية بالمعنى الحديث للمؤسسة (برلمان-قضاء مستقل-أحزاب-نقابات وجمعيات …الخ)، أو هو "المجتمع الذي تتوفر فيه حقوق المواطن ،بمعنى توفر قيم المدينة ضد قيم التخلف" أو هو "المجتمع القادر بصورة ديمقراطية على مواجهة مظاهر الخلل والفساد والتعسف من قبل الدولة" وكل هذه التعريفات –كما عبر عنها غازي الصوراني - تأتي في إطار المجتمع الرأسمالي وهي لا تلغي صحة التعريف الماركسي الذي يرى في المجتمع المدني هو مجتمع الصراع الطبقي في إطار الديمقراطية البرجوازي.
أما الأستاذة نادية أبو زاهر، فترى : أن مفهوم المجتمع المدني هو مفهوم " زئبقي " أو " ضبابي " كما يحلو لبعض الكتّاب أن يطلق عليه أو كما يحلو لآخرين أن يسميه، أو مفهوم المجتمع المدني واحد من أكثر المفاهيم جدلية. وقد احتل هذا المفهوم الجدلي حيزا كبيرا في المناقشات الفكرية، وحظي باهتمام وسائل الإعلام المختلفة، وهو ما عبر عنه بعض المؤلفين، مثل بنيامين بارت Benjamin Bart عندما قال: " كلما ازداد استعمال مفهوم المجتمع المدني في السنوات الأخيرة، يقلّ فهمه
من جهته يرى الأستاذ حميد كاظم شذر أن المجتمع المدني يمثل نمطاً من التنظيم الاجتماعي والسياسي والثقافي خارجاً قليلاً أو كثيراً عن سلطة الدولة، وتمثل هذه التنظيمات في مختلف مستوياتها وسائط تعبير ومعارضة بالنسبة إلى المجتمع تجاه كل سلطة قائمة فهو إذن مجمل البنى والتنظيمات والمؤسسات التي تمثل مرتكز الحياة الرمزية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي لا تخضع مباشرة لهيمنة السلطة وينتج فيه الفرد ذاته وتضامناته ومقدساته وإبداعاته.
وعلى الرغم مما يبدو من خلاف بين المفكرين العرب حول مفهوم المجتمع المدني، إلا أنه هناك اتجاه غالب يرى " أن المجتمع المدني عبارة عن مجموعة من التنظيمات التطوعية المستقلة نسبيا والتي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها أو تحقيق منفعة جماعية للمجتمع ككل، وهي في ذلك ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والإدارة السلمية للتنوع والخلاف. ومن ثم ينطوي مفهوم المجتمع المدني على ثلاثة أركان أساسية هي ، أولا: الفعل الإرادي الحر (مبادرات أهلية مجتمعية). ثانيا: وجود إطار تنظيمي، وتوافر تراض واتفاق بخصوصه. ثالثا: ركن أخلاقي سلوكي يشير إلى الثقافة المدنية (قبول الاختلاف، والتسامح، والتعاون، والإدارة السلمية للخلافات والصراعات.

0 Comments:

Post a Comment

Subscribe to Post Comments [Atom]

Links to this post:

Create a Link

<< Home